أحداثالتشريعات البيئية

العنصرية البيئية والعدالة البيئية وحركة الإنصاف البيئي: الجزء الأول

Environmental Racism, Environmental Justice & Environmental Equity Movement: First Part

بالرغم من مرورنا إلى الألفية الثالثة، وبالرغم من التقدم الكبير والتطور السريع الذي شهدته معظم دول العالم في شتى المجالات الخذمية والصحية والتعليمية، وبالرغم من أرتباط العالم بشبكة واحدة من الاتصالات جعلها تصبح قرية صغيرة متقاربة وسهلة التواصل بين الشعوب والثقافات المتنوعة على الرغم من وجود أختلاف في الأفكار وتعدد في الأعراق وتنوع في الأراء، وبالرغم من زيادة تقارب المسافات بيننا عبر وسائل النقل الحديثة وعبر وسائل التواصل الأجتماعي سواء كنا في أقاصى بقع الأرض وأبعدها أو كنا في أوسط نقطة من العالم وأقربها. بالرغم من كل ذلك لازالت توجد بيننا نوعا من أنواع العنصرية البشعة في التعامل بين دول العالم غنيها وفقيرها وبين الدول الصناعية الكبرى والدول النامية الصغيرة وهي من أشد أنواع العنصريات وأخطرها وهي العنصرية البيئية (Environmental racism)، لما لهذه النوع من العنصرية من أثار ضارة على صحة الأفراد والمجتمعات في الدول الفقيرة على المدى الطويل.

العنصرية البيئية (Environmental racism)، مصطلح جديد البعض منا ربما لم يسمع به من قبل ولكنه مصطلح متعارف عليه أصبح يتداول بكثرة ويستخدم منذ عدة سنوات وله عدة تعريفات مختلفة وواسعة كما جاء في عدة موسوعات علمية، أحدهم عرف العنصرية البيئية (Environmental racism) على أنها “التأثير السيء للمخاطر البيئية على الناس من الأقليات”، أو بمعنى أخر، هو “تعرض مجتمعات الأقليات العرقية المهمشة أجتماعيا للملوثات البيئية وعدم حصولهم على المنافع الحياتية (مثل الهواء النظيف والماء والموارد الطبيعية) أو كليهما”. أو تعريف أخر مشابه “أي سياسة أو ممارسة بيئية تؤثر تأثيرا سلبياً (سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة) على الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات على أساس عرقي أو لوني”.

بصفة عامة، هو مصطلح يستخذم لوصف “الظلم البيئي في سياق عنصري” او هو “التهميش البيئي (environmental marginalization) بين الدول الصناعية الغنية والدول النامية الفقيرة” بحيت تقوم بتعريضها للنفايات السامة والكيماويات الخطرة الناجمة عن التطورات الصناعية في بلادانها عبر إبعادها وأرسال تلك الملوثات الخطرة للتخلص منها في الدول الفقيرة التي تتراخي بها السياسات البيئية وممارسات السلامة الصحيحة، نظير مساعدات في التنمية الأقتصادية أو بسبب سلطة التبعية الأدارية القديمة أو الأستعمارية أو وجود روابط تاريخية بينهم في أحيان كثيرة، أو بسبب أسباب وقتية عرضية كالأنفلاتات الأمنية وعدم أستقرار تلك الدول بسبب الأضطرابات المسلحة بها وعدم وجود رقابة في تلك الدول على أراضيها، مثل حالات تحكم المليشيات والكتائب المسلحة على أجزاء من الأراضي وفي سبيل حصولها على مكاسب مالية وأرباح يستطيعون بها الصمود خلال حروبها ضد المليشيات المسلحة الأخرى يقومون بالسماح للشركات الصناعية الكبرى بإستجلاب النفايات السامة ودفنها في مقاطعاتهم كما حدث سابقاً في دولة بالشرق الأوسط خلال الحروب الأهلية التي ألمت بها أو كما يحدث الأن في بعض الدول العربية بعد الحروب والأضطرابات التي أعقبت ما يعرف بالربيع العربي. فهناك أسباب كثيرة ومتنوعة يمكن لبعض الدول أو شركات صناعية ضخمة استغلالها للتخلص من نفاياتها السامة التي أنتجتها فآرقتها ولا تريد أن تدفنها في أراضيها لخطورتها ولوجود معايير بيئية صارمة ولا تريد التخلص منها بسبب تكلفتها العالية نتيجة تلك المعايير فتقوم ببساطة بأرسلها للأخرين، فتصبح هذه الدول الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة مكب نفايات خطرة لدول الصناعية الكبرى.

العنصرية البيئية لم تصف العلاقة بين الدول الصناعية الغنية والدول النامية فحسب بل ايضا وصفت بعض العلاقات داخل الدولة نفسها وأن مثل هذا التصرف قد يحدث في الدولة الواحدة بسبب وجود أعراق مختلفة، ففي امريكا استخدم هذا المصطلح في عدة تقارير بيئية منها تقرير سنة 1979 من قبل عالم الأجتماع روبرت لولارد من جامعة تكساس الجنوبية حين وصف المحاولات الغير مجدية من مجموعة سكان مدينة هيوستن الأمريكية من أصول أفريقية لمنع وضع مكب نفايات خطرة في منطقتهم وأن العرق كان السبب الرئيسي في ذلك القرار وليس لأن دخلهم المالي كان متدني.

في عام 1977، اقترح سيدني هاو، مدير مركز البيئة البشرية الأمريكي، أن الناس الذين يعيشون في مستوى اجتماعي اقتصادي أقل يتعرضون لمزيد من التلوث أكثر من غيرهم، وأن أولئك الذين يملكون المال ويخلقون معظم التلوث يعيشون في الأماكن الأقل تلوثا والأكثر نظافة بيئيا، كما أنه استخدم مصطلح العدالة البيئية (Environmental Justice) لوصف التدابير التصحيحية اللازمة لمعالجة هذا التفاوت بين المستويات. كما أكدت دراسة أمريكية أخرى إجريت في التمانينات بأن الأمريكيين من أصل أفريقي وغيرهم من الملونين كانوا أكثر عرضة للعيش بالقرب من مواقع ومكبات النفايات الخطرة من الأمريكيين البيض، وكانت اهمية هذه الدراسة لأنها ولأول مرة ربطت وجعلت هناك صلة واضحة بين العرق وزيادة احتمال التعرض للنفايات الخطرة. كما جعلت بعض الدراسات اللاحقة قضية العرق والبيئة أكثر بروزا في مجتمعات الملونيين.

أما الاستخدام الأول وبصفة رسمية لهذا المصطلح “العنصرية البيئية” كان في مؤتمر عقد في كلية الموارد الطبيعية بجامعة ميشيغان الأمريكية في عام 1990. وقد ركز المؤتمر على الأخطار العنصرية البيئية، وحث العلماء وصناع القرار على مناقشة العلاقة بين العنصرية والبيئة. وبالإضافة إلى ذلك، استخدم في المؤتمر مصطلح جديد هو “حركة الإنصاف البيئي” (The Environmental Equity Movement) وحركة العدالة البيئية (The environmental justice movement) لوصف الحركة المتنامية لمعالجة أوجه عدم المساواة التي أصبحت واضحة. فالإنصاف البيئي ليست هي العدالة البيئية، “الإنصاف البيئي” هو استجابة الحكومة لمطالب حركة العدالة البيئية والعدالة البيئية هي الحركة ضد العنصرية البيئية، كما أن معظم الناشطين وكثير من الأكاديميين يستخدمون مصطلحي العنصرية البيئية (Environmental racism) والظلم البيئي (Environmental injustice) بالتبادل  لنفس المعنى.

أيضا من الأشخاص الذين تكلموا عن العنصرية البيئية زعيم الحقوق المدنية للأمريكين من أصول أفريقية، بنيامين شافيس، حيث تكلم على أهمية النية في هذا المجال (العنصرية المتعمدة)، قائلا إن “العنصرية البيئية هي التمييز العنصري في صنع السياسات البيئية وإنفاذ اللوائح والقوانين، والاستهداف المتعمد للملونين في مرافق النفايات السامة،  ووجود سموم وملوثات مهددة للحياة الملونين، واستبعاد الملونين من قيادة الحركات البيئية “. ويشير أخرون أن العنصرية المتعمدة (Deliberate Racism) ليست سوى شكل من أشكال العنصرية المختلفة. وحتى لو لم يكن ذلك مقصودا، فمن الأرجح أن تكون بعض المجموعات، في عدد من الأسباب، موجودة في مناطق الخطر البيئي والتلوث أكثر من غيرها. وبالتالي، فإن عدم التعمد لا يعني بالضرورة أنها ليست عنصرية بيئية.

العنصرية البيئية في داخل الدولة الواحدة:

سنذكر هنا ثلاث قصص مسجلة وموثقة تبين العنصرية البيئية التي طبقت على جزء من المجتمع في داخل نفس الدولة، حيث أظهرت بشكل واضح التفرقة والعنصرية السيئة إتجاه مجتمعات الأقليات الإثنية أو مجموعات سكانية ذات أعراق وأصول مختلفة.  ثلاث قصص حدتث في الولايات المتحدة الأمريكية وهي تمثل كيف أن الأختلاف في العرق كان أحد الأسباب الرئيسية في تطبيق العنصرية البيئية داخل نفس الدولة.

القصة الأولى: الكعكة السامة وحدائق التغيلد في شيكاغو، ولاية إلينوي

تعد منطقة حدائق التغيلد (Altgeld Gardens) تجمع سكني يقع في جنوب شيكاغو تم بناءه في عام 1945 على أرض مكب مهجور لاستيعاب المحاربين القدامى الأمريكيين من أصل أفريقي العائدين من الحرب العالمية الثانية. وقد أطلق على هذا التجمع السكني الكعكة السامة (toxic doughnut) بسبب ما يحيط به من مواقع سموم حيث يوجد حوله حوالي 53 مرفق يتعاملون بمواد سامة (toxic facilities) بالأظافة إلى حوالي 90٪ من مدافن النفايات في المدينة حول التجمع. هذه التجمع السكاني يتكون من 90% من السود منهم 65% تحت مستوى الفقر، الجميع أعتبر حدائق التغيلد مثالا كلاسيكيا للعنصرية البيئية في أقوى معانيها. وتشمل السموم والملوثات المعروفة التي تؤثر على منطقة حدائق التغيلد الزئبق وغاز الأمونيا والرصاص وثنائي كلورو وثنائي الفينيل وثلاثي كلور الإيثان وثنائي الفينيل متعدد الكلور والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات والمعادن الثقيلة والزيلين.

تحيط بمنطقة حدائف التغيلد مكبات النفايات السامة ومحارق الكيماويات الخطرة وأكوام من النفايات المرمية بدون ردم. وقد أثرت هذه الظروف المعيشية على صحة المجتمع. في عام 1984، كشفت دراسات طبية أجريت في قطاع الصحة العامة في إلينوي عن معدلات مفرطة من سرطان البروستاتا والمثانة وسرطان الرئة، بالإضافة إلى ذلك، أظهرت السجلات الطبية: (1) معدلات عالية من الأطفال الذين ولدوا مع سرطان الدماغ، (2) ارتفاع معدلات الأجنة التي كان لا بد من إجهاضها لأن الاختبارات كشفت أن عقول الأجنة نامية خارج الجمجمة، و (3) ارتفاع معدلات الربو ، والسعفة الجلدية، وأمراض أخرى. وعلى الرغم من الأدلة على وجود مشاكل صحية، لم يتم نقل سكان حدائق التغيلد إلى مشروع إسكاني عام آخر.

 

القصة الثانية: أزمة مياه مدينة فلينت (Flint)، ولاية ميشيغان

منذ أبريل 2014، كان سكان فلينت، وهي مدينة صغيرة يتكون سكانها من نحو 57% من السود معظمهم من الفقراء، يشربون ويغسلون من مياه نهر فلينت الملوثة التي تحتوي على تراكيز كبيرة من الرصاص وتعتبر بحسب معايير وكالة حماية البيئة “نفايات سامة”، فقد أكتشف الباحثون سنة 2015 بأن النهر به مواد ملوثة وآكله أكثر من 19 مرة ضعف التركيزات في البحيرة القديمة (Lake Huron) التي كان يشرب منها السكان. ويمكن أن يؤدي التلوث بالرصاص إلى ظهور حالات مرضية متعددة بين السكان.

وقد أظهرت دعوة قضائية بأن إدارة الجودة البيئية في ميشيغان قد أخفقت نهائياً في معالجة مصدر المياه الجديد بعامل المضاد للتآكل، مما أدى إلى تغير لون النهر بشكل متزايد وزيادة نسبة التلوث به. وأضافت أن هذا العامل المضاد (orthophosphate) كان سيكلف فقط 100 دولار يوميا للولاية، وفقا لشبكة التلفزيون (CNN)، وأن 90٪ من المشاكل التي كانت مياه فلينت تسببها يمكن تجنبها لو تم استخدام عامل المضاد للتآكل. ولكن لأن معظم السكان من السود الفقراء كان التفاعل مع المشكلة بطيء جدا على الرغم من أن تكلفت حلولها بسيطة جدا.

القصة الثالثة: مكب النفايات في مقاطعة وارن (Warren County)، ولاية كارولينا الشمالية

في الفترة ما بين يونيو وأغسطس سنة 1978، وبطريقة غير قانونية ألقيت كميات كبيرة تتكون من 30 ألف غالون من النفايات السائلة الملوثة بالثنائي الفينيل متعدد الكلور السام على طول 210 ميل من طرق كارولينا الشمالية. حينها أعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) أن ثنائي الفينيل متعدد الكلور يشكل تهديدا للصحة العامة، وطالبت إدارة الولاية بإزالة التراب الملوث بالنفايات السامة. في عام الذي يليه 1979، اختارت إدارة الموارد الطبيعية والبيئة بولاية كارولاينا الشمالية وفرع وكالة حماية البيئة بالولاية  مقاطعة وارن كموقع لإيداع التربة الملوثة بالثنائي الفينيل متعدد الكلور التي تم جمعه من الطرق للتخلص منه.

 

تعتبر مقاطعة وارن واحدة من ست مقاطعات على طول “الحزام الأسود” من ولاية كارولينا الشمالية. المقاطعات المقيمة في “الحزام الأسود” هي أفقر المقاطعات في كل الولاية. بحيث كان متوسط دخل الفرد في هذه المقاطعات هو 6.9 دولار بينما في المقاطعات الأخرى يفوق دخل الفرد 9.3 دولار، ونسبة السود في هذه المقاطعة يصل 54.5%. بالأظافة إلى ذلك أثبتت النتائج العلمية التي إجريت أن مياه الشرب الجوفية قريبة جدا من السطح (5-10 أقدام) وستتلوث بمجرد ألقاء النفايات السامة في المكب.

أستمر السكان في رفض دفن التربة الملوثة بالمقاطعة، ففي عام 1982، رفعت الجمعية الوطنية المحلية للنهوض بالملونين دعوى قضائية في محاكم المقاطعات لوقف المكب. فقد السكان القضية في المحكمة ضد إدارة الولاية. وفي سبتمبر 1982، احتج وتظاهر المواطنون الغاضبون في مقاطعة وارن التي انضمت إليها جماعات الحقوق المدنية، والناشطين البيئين، ورجال الدين ضد أول شاحنة قادمة محملة بالتربة الملوثة بثنائي الفينيل متعدد الكلور. وخلال الاحتجاج، ألقي القبض على أكثر من خمسمائة شخص وتم سجنهم. على الرغم من الاحتجاجات والأدلة العلمية على أن المكب سوف يسبب تلوث مياه الشرب، تم بناء مكب النفايات في مقاطعة وارن ووضعت به تلك النفايات السامة.

بعد ما يقرب من عقدين من التسريبات السامة المشتبه فيها في ذلك المكب، دفعت الولاية والحكومة الأتحادية عقد بـ 18 مليون دولار لإزالة السموم من التربة الملوثة في مقاطعة وارن. هذه القصة دائما يشار إليها على أنها تعتبر أول قضية فيما يخص العدالة البيئية في الولايات المتحدة.

References:

Environmental justice, Wikipedia, the free encyclopedia.

Environmental Racism, Wikipedia, the free encyclopedia.

Taylor, Dorceta E. (2011). “Environmental Racism – United States, Industrial, Toxic, Human, Power, Use,” Pollution Issues.”.

Holifield, Ryan (2001). “Defining environmental justice and environmental racism”. Urban Geography. 22 (1): 78–90.

Pulido, Laura (2000). “Rethinking environmental racism: white privilege and urban development in southern california”. Annals of the Association of American Geographers. 90(1): 12–40.

Craven, Julia and Tynes, Tyler. (2016).  “The Racist Roots Of Flint’s Water Crisis”. Huffington Post.

 Bullard, Robert D. (2004). “Environmental Racism: PCB Landfill Finally Remedied, but no Reparations for Residents. South End Press: 2004.”.

Cutter, Susan (1995). “Race, Class, and Environmental Justice” . Progress in Human Geography. 19 (1): 111–122.

 “The Environmental Justice Movement”. NRDC 2010-04-24.

Cole, Luke and Foster, Sheila. (2001). From the Ground Up: Environmental Racism and the Rise of Environmental Justice Movement. New York: New York University Press.

الجزء الثاني ستكون عن العنصرية البيئية على المستوى الدولي.

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير في مجال إدارة المخلفات الطبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق