المخلفات الصيدلانيةمعالجة النفايات الطبية

التخلص من النفايات الصيدلانية في أفران شركات الأسمنت

Disposal of pharmaceutical waste in cement kilns

يعتبر تراكم الأدوية المنتهية الصلاحية بكميات كبيرة جدا من أكبر المشاكل التي تعاني منها وزارات الصحة والبيئة في معظم دول العالم وذلك بسبب عدة أمور منها زيادة الضخمة في استهلاك الأذوية نتج عنه تراكم نفاياتها بكميات كبيرة وايضا صعوبة وتكلفة طرق التخلص منها الأمر الذي دعى وزارات الصحة والبيئة للبحث عن حلول ووسائل ناجعة للتخلص من تلك الكميات المتزايدة بطرق بيئية سليمة لا يحدث منها تلوث للمياه والبيئة المحيطة، وايضا البحث عن طرق تكون التكلفة المالية للتخلص في متناول تلك الوزارات. من ضمن الحلول السريعة والمتاحة توصلت إليها تلك الوزارات التعاقد مع شركات الأسمنت للتخلص من الأذوية المنتهية الصلاحية عبر أفرانها، حيث أن أفران شركات الأسمنت ذات درجات حرارة عالية جدا ولكن حتى هذه الطريقة كم ذكر العديد من الناشطين البيئيين يشوبها مشاكل وعقبات كثيرة من ناحية بيئية.

بعض وزارات الصحة والبيئة في الدول العربية تعاقدت مع شركات الأسمنت للتخلص من أطنان الأذوية المنتهية الصلاحية في أفرانها ومنها وزارة البيئة اللبنانية كما ذكر الخبر في موقع مجلة الأخبار وعدة مواقع أخرى حيث تعاقدت الوزارة مجدداً مع شركة الأسمنت الأبيض (مجموعة هولسيم) للتخلص من كميات كبيرة من الأدوية المنتهية الصلاحية. ولكن بعد توقيع العقد مباشرة ظهرت معارضة كبيرة من الناشطين البيئين في المنطقة التي بها تلك الأفران ضد التعاقد من جديد مع الشركة حيث اثبتت عدة دراسات أجريت من قبل الناشطيين وجود مشاكل وتلوث كبير ناتج من مصانع الشركة كمشاكل الغبار والأتربة فكيف سيكون الحال بنسبة للغازات السامة والرماد المنبعث من حرق الأدوية وكيف سيكون تأثير ذلك في البيئة المحيطة، وأعتراضهم أتي على خلفية أنه لا توجد رقابة صارمة على الشركة ومصانعها وعدم تطبيق الشركة لمعايير السلامة كما يقولون أو أنعدام الرقابة نهائيا من الدولة على نوعية الأدوية التي سيتم حرقها، فالأدوية حسب رأئهم يجب أن لا تحتوي في تركيبها مادتي الكلور والزئبق ويجب أن لا تحتوي أدوية العلاج الكيماوي لمعالجة الأورام السرطانية ذات الخطورة العالية وكلها مواد ينتج من إحتراقها إنبعاث غازات سامة، ايضا الأعتراض الأكبر كان بخصوص درجة الحرارة الأفران التي يجب أن لا تقل عن 2000 درجة مئوية لضمان الأحتراق الكامل لمواد الديكوسين والفورنات المسرطنة المنبعثة من حرق تلك المواد، إضافة إلى ذلك حسب ماذكر الخبر الآلية السيئة المعتمدة من الشركة للتخلص من رماد الحرق الذي يصنف بأنه مادة عالية السمية وينبغي دفنه في مطامر مخصصة للنفايات السامة جدا، كما أن الرماد الناتج من حرق الأدوية سوف يشكل جزء من الخليط الاسمنتي الذي سيستقر في نهاية المطاف في بيوت السكان. لكل تلك الأسباب ظهرت معارضة كبيرة ضد توقيع العقد مع شركة الأسمنت الأبيض.

كذلك الحال في دولة عربية أخرى، في الجزائر، حينما وقعت وزارة البيئة والتهيئة العمرانية والنقابة الوطنية للصيادلة مع مجمع (لافراج) لإنتاج الأسمنت على اتفاقية يتم بموجبها حرق المخزون الهائل من الأدوية منتهية الصلاحية المكدسة في المخازن منذ سنة 2002 وهو التاريخ الذي صدر فيه نص قانوني جزائري يمنع حرق النفايات الصيدلانية التي تشكل خطر على الصحة والبيئة. حيث ذكر الخبر كذلك أن كمية الأدوية المنتهية الصلاحية والمرفوضة في الجزائر بمعدل لا يقل عن 100 كلغ للصيدلية الواحدة، وهي أرقام قد تكون غير دقيقة حسب ما صرح به المسؤل بالمخازن على مستوى النقابة الوطنية للصيادلة في القطاع الخاص. وبأختلاف الحال عن الوضع اللبناني الذي شهد معارضة كبيرة من الناشطين البيئيين إلا أن توقيع عقود الوزارة الجزائرية مع شركة الأسمنت لم يقابل بمعارضة بل تم الترويج له كانه حل بيئي سليم نهائي للتخلص من مشكلة عويصة تعاني منها الجزائر وعلى أنها أنجع وسيلة يتم من خلالها معالجة النفايات بطريقة آمنة على البيئة والصحة، كما تم الترويج لشركة التي ستقوم بالعمل على أنها تتبع القواعد العلمية في مجال صناعة الأسمنت، وتأخذ بعين الإعتبار المشاكل البيئية ومتطلبات التطور الخالي من كل الشوائب. بالإظافة لذلك وهو الأهم بالنسبة لهم أنه ستكون تكلفة حرق هذا المخزون بسعر مخفض بالنسبة للصيدليات المنضوية تحت النقابة الوطنية للصيادلة في القطاع الخاص.

الصورة: نقابة الصيادلة الجزائرية وجمع الأدوية المنتهية الصلاحية للتخلص منها عبر أفران شركة الأسمنت.

هذا الحال في دولتان عربيتان تبحتان عن حلول للتخلص النهائي من مخزونها الكبير من نفايات الصيدلانية بأسهل الطرق وأرخصها، هذه الأخبار جعلت الجميع لديهم إستفسارات حول هذا الموضوع بالذات، لهذا فهناك عدة أسئلة نريد أن نطرحها في هذه المقالة ونريد لها إجابات واضحة وصريحة:

1. هل حرق النفايات الصيدلانية أو النفايات الخطيرة الأخرى في أفران شركات الأسمنت آمن وفعال بيئياً؟
2. هل أستعمال أفران شركات الأسمنت في التخلص من النفايات الخطرة تعتبر طريقة شائعة ويعمل بها في الدول الغربية؟
3. ما هي الفوائد التي نجنيها نحن من أتباع هذه الطريقة بالمقارنة بطرق التخلص الأخرى؟
4. ما هي الفوائد التي تجنيها شركات الأسمنت من أستعمال النفايات الخطيرة في أفرانها؟
5. إذا كانت بها خطورة فأين تكمن تلك الخطورة؟ هل هو في الغبار الناتج أو الأبخرة المتصاعدة أو الرماد المتراكم؟ أو أن خطورتها في كل مراحل عملية تصنيع الأسمنت؟
6. هل يمكن مراقبة أو الحد من تلك الخطورة أن وجدت؟
7. هل هناك قبول أو رفض عالمي لإتباع هذه الطريقة في التخلص من النفايات الخطيرة عبر أفران شركات الأسمنت؟

صناعة الأسمنت والبيئة:

أمر لا يختلف عليه اثنان بأن الأسمنت مادة ضرورية جدا في حياتنا ولا يمكن الأستغناء عنه بأي حال من الأحوال ، فهي المادة الأولى والأساسية في بناء البيوت والمباني والبنية التحتية في المدن لهذا أنتشرت مصانع الأسمنت في كل دول العالم وأصبحت صناعة ضخمة تدر أرباح كبيرة جدا. والأحتباج منها يتصاعد يومياً والطلب عليها تزايد باستمرار (الجدول 1). الدول الأوروبية أنتجت في سنة 2000 حوالي 323 مليون طن من الأسمنت والمانيا وحدها أنتجت حوالي 35.5 مليون طن من هذه المادة في نفس السنة، اما الأنتاج العالمي فيصل إلى 3.5 مليار طن، فهي مادة مهمة جدا وزاد الطلب عليها عالمياً بشكل كبير، ولكن على الرغم من الفوائد التي لا تحصى فهي من أكثر الصناعات التي تسبب تدمير للبيئة، وتعتبر كل مراحل تصنيع الأسمنت مصدر تلوث كبير للبيئة سواء في المرحلة الأولى من أستخراج المواد الخام الأساسية للتصنيع من المحاجر والمناجم من تفجير وتكسير وحفر أخاذيد في الأرض وخلال عملية نقلها عبر العربات أو الشاحنات المفتوحة أو فوق السيور الناقلة داخل المصانع أو خلال عملية حرقها داخل الأفران وما ينتج عنها من ملوثات أو بقايا عملية التصنيع من رماد وغبار أو خلال تخزين المنتج النهائي، كما تعتبر الأفران مستهلك كبير للوقود فدرجات الحرارة بها عالية جدا وهي مصدر كبير لتلوث الهواء في كل الحالات ومهما أختلف نوع الوقود المستخدم في عملية الحرق.

جدول (1): الزيادة على طلب مادة الأسمنت في العالم في المستقبل.

 

كيف تتم صناعة الأسمنت؟

هناك طريقتين لصناعة الأسمنت الطريقة القديمة الرطبة (Wet Process) والطريقة الجديدة الجافة (Dry process) والأختلاف بينهم أن يتم خلط المواد الأساسية في الطريقة الرطبة بماء أم الطريقة الأخرى فتتم بدون إظافة الماء، بصفة عامة تتم عملية تصنيع الأسمنت بعدة مراحل كالتالي:
• أستخراج المادة الخام الأساسية لصناعة الأسمنت (limestone) من المحاجر أو المناجم وهي تشكل حوالي 70% من المواد الداخلة في التصنيع وباقي المواد الأخرى كالطين وأكسيد الألمونيوم والحديد.
• يتم طحن كل مادة على حدة وتخزينها منفصلة، تم توزن تلك المواد وتظاف للحصول على التركيبة المناسبة حسب نوعية الأسمنت المطلوب تم يتم طحنها لمسحوق دقيق جدا ويتم ضخها للصوامع.
• يتم نقل المخلوط من الصوامع الى أسطوانات الأفران الدوارة ذات درجة حرارة عالية جدا تصل الى 1500 درجة مئوية حتى تتكسر كل المواد وتتحول مع بعضها (calcinations) الى مادة جديدة تسمى الكلينكر (clinker) مكونة كريات صغيرة مثل حبات اللوز، تم يتم طحنها بشكل دقيق ووضعها في أكياس ويخزن لحين نقلها واستعمالها.
• حين استعمالها يخلط الأسمنت مع الرمل والحجارة والماء للحصول على مخلوط عندما يتجمد يصبح خراسانة صلبة تمسك قوالب حجارة البناء مع بعض وتحميها وتحد من تأثير الظروف الطبيعية عليها.

الصورة: مراحل صناعة الأسمنت.

كم هو حجم تعامل شركات الأسمنت في العالم مع حرق النفايات الخطيرة؟:

العديد من دول العالم أنتبهت لمشكلة تراكم النفايات الخطيرة وسعت في محاولات للتخلص منها وبحثت عن طرق يتم فيها التخلص النهائي من تلك النفايات ومن ضمن هذه الطرق كما أسلفنا هو أستغلال أفران شركات الأسمنت ذات الدرجات الحرارة العالية، حيث ذكرت أحد المراجع لوكالة حماية البيئة الأمريكي (EPA) بأنه يوجد في الولايات المتحدة وحدها حوالي 107 فرن من أفران شركات الأسمنت من ضمنها 17 فرن يستخدمون النفايات الخطيرة (Hazardous Waste) كوقود بديل، بنسبة 16% من عدد أفران الأسمنت وهذه الأحصائيات حتى سنة 1997، وفي البلد المجاور المكسيك يوجد 30 فرن لشركات الأسمنت على أقل 21 فرن منها لديهم تصاريح من الدولة بحرق النفايات الخطرة بنسبة تصل إلى 70%.

بصفة عامة، ومن خلال هذه الارقام التي ذكرناها في دولتين فقط تعتبر طريقة التخلص من النفايات الخطيرة بأستعمال أفران شركات الأسمنت أمر شائع ويعمل بها في العديد من دول العالم بما فيها دول الاتحاد الأوروبي ذات اللوائح والأجراءات والقوانين البيئية الصارمة. في ألمانيا أصبح استخدام النفايات الخطرة في أفران الأسمنت يعمل به منذ أكثر من 30 سنة مضت وازداد استعماله خلال السنوات الماضية ففي سنة 2001 كان أستهلاك الوقود البديل يصل إلى 30% من حجم الوقود المستعمل في أفران الأسمنت بالمانيا. فقد أستعملت النفايات الخطيرة بمختلف أنواعها مثل الإطارات السيارات المستعملة (237 ألف طن) وبقايا الحيوانات من السلخانات (245 ألف طن) ومخلفات الزيوت (128 ألف طن) بالإظافة إلى حوالي 420 ألف طن من التفايات المنزلية والصناعية.

في فرنسا مع سنة 1999 كانت نسبة الوقود البديل المستعمل في صناعة الأسمنت حوالي 27% من النفايات الخطيرة كالأطارات المستعملة والنفايات الصلبة الأخرى وغيرها، وفي سويسرا أرتفعت نسبة استخدام الوقود البديل في أفران الأسمنت من نسبة 34.4% سنة 1999 إلى نسبة 41.7% مع سنة 2001، وفي النمسا ارتفع معدل استهلاك الوقود البديل من النفايات الخطيرة بدل عن الوقد العادي في أفران الأسمنت من 66 ألف طن في سنة 1997 إلى حوالي 145 ألف طن مع سنة 1999، و كذلك الحال في معظم دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

الشكل (1): حجم أستعمال الوقود البديل كالنفايات الخطرة في أفران الأسمنت في أوروبا.

هذه الارقام تدل بوضوح على أنتشار أستعمال النفايات الخطيرة كوقود بديل أو وقود مساعد في أفران الأسمنت، بالرغم من هذه الارقام ولحساسية هذا الموضوع فهناك نقص كبير في الأحصائيات الدقيقة لعدد الشركات الأسمنت التي تقوم بحرق النفايات الخطيرة وخاصة في دول العالم الثالث فهناك عدة شركات تقوم سراً بمثل هذه الأعمال أو أنها تخفي الكميات الحقيقية التي أحرقتها من سجلاتها الرسمية لأسباب كثيرة منها الخوف من الأعلام والناشطين البيئين وأعتراض الرأي العام وأمور مالية أخرى كالهروب من الضرائب.

الشكل (2): نسبة زيادة أستعمال الوقود البديل كالنفايات الخطرة في أفران الأسمنت في النمسا من سنة 1997 الى سنة 1999

أستعمال النفايات الخطيرة كبديل للوقود الأحفوري (Alternative Fuels):

بعض شركات الأسمنت تقوم بعملية حرق النفايات الخطيرة ليس بسبب الحد من خطورة تلك المواد وأضرارها الصحية والبيئية ولكنها تستعمل في النفايات الخطيرة كوقود بديل للوقود الأحفوري لقلة تكلفتة المالية بالمقارنة بالأنواع الثانية. يقدر أنتاج الأسمنت في العالم بحاولي 3.5 مليار طن وهذه الكمية تستهلك حوالي 350 مليون طن من الوقود الأحفوري كالفحم وغيره من الوقود البديل وهذه الكمية في تزايد مستمر لهذا فمعظم الشركات تسعى للتخفيف من مصاربفها في شراء الوقود الأحفوري المكلف جدا. فبهذه الطريقة توصلوا إلى خفض من حجم الوقود الأحفوري المستعمل والمكلف جدا في عملية تصنيع الأسمنت واستبداله بوقود رخيص ومتوفر وخاصة في الأونة الأخيرة بعدما أرتفعت أسعار الوقود الأحفوري الى مستويات عالية جدا.

كل أنواع الوقود زادت أسعارها بشكل جنوني فأسعار الفحم الحجري زادت جدا بسبب زيادة الطلب عليه نتيجة زيادة تكلفة الغاز الطبيعي والنفط عالمياً. أسعار الغاز الطبيعي زادت بشكل كبير من 6 دولار بشهر أبريل إلى 10.97 دولار مع شهر أكتوبر في سنة 2005 في الولايات المتحدة، هذا الزيادة في الاسعار جعل الطلب متزايد على الفحم الحجري على مستوى العالم وجعل الصين أحد المنتجين الكبار للفحم الحجري تفتح مناجم جديدة عملاقة لأستخراج الفحم وأغلاق المناجم القزمية المتبعثرة.

الجدول (2): أنواع الوقود العادي والبديل التي تستعمل في أفران الأسمنت.

أسباب بيئية وراء حرق النفايات الخطيرة في أفران شركات الأسمنت:

أيضا هناك أسباب أخرى بيئية دعت بعض الحكومات تدعم حرق النفايات الخطرة في أفران شركات الأسمنت أو تتغاضى عن الشركات التي تفعل ذلك ففي أمريكا أوقفت وكالة حماية البيئة دفن بعض أنواع النفايات الخطرة بسبب وصول إفرازاتها السامة للمياه الجوفية فكان البديل المتاح هو حرق النفايات في أفران الأسمنت. كما أن بعض الدول الصناعية الغربية الكبرى ذات المساحات الجغرافية الصغيرة تفتقد نهائيا لسحات الدفن الصحي (المطامر الهندسية الصحية) فلجاءت للمحارق والأفران للتخلص من بقايا نفاياتها الصناعية الخطيرة.

الأرباح الإظافية من حرق النفايات الخطيرة:

ذكرت بعض المراجع بأن العديد من شركات الأسمنت الأمريكية قد تحصلت على أرباح مالية من حرق النفايات الخطيرة أكثر من صناعة الأسمنت نفسها، حتى أن بعض الشركات الأخرى صرحوا بأن مصدر الربح الوحيد لهم هو حرق النفايات الخطيرة، هذا الأمر جعل العديد من الشركات تتعمق في عقد صفقات أكبر مع المنتجين للنفايات الخطيرة فهذه المواد متوفرة بكثرة وبتزايد مستمر يوماً عن يوم، وهذا الأمر الذي جعل عدة شركات الأسمنت تتجاهل التظاهرات والمعارضة الكبيرة وتقاتل في المحاكم بشراسة ضد الناشطين البيئين.

ماهي الخطورة البيئية من الإنبعاتات السامة لأفران شركات الأسمنت عند استعمال الوقود التقليدي؟:

ينتج خلال صناعة الأسمنت العديد من الملوثات البيئية الخطيرة ونحن هنا نتكلم في الحالة العادية من أستعمال الوقود العادي (الغاز الطبيعي، الفحم الحجري، الزيوت) وليس بأستعمال الوقود البديل كالنفايات الطبية أو الصيدلانية الخطيرة كالأتي:
1. إنتاج أول أكسيد الكربون وهو من الغازات السامة والتي تسبب في مشكلة الأحتباس الحراري (Global Warming Gas) وأرتفاع درجة حرارة الكوكبوالذي سيترتب عليه كوارث بيئية كبيرة جدا في المستقبل اذا لم يتم تدارك الموقف.
2. أنطلاق الغازات الحمضية بمختلف أنواعها وكذلك جزئيات الغبار السام إلى الهواء، في الولايات المتحدة كل 100 طن من الأسمنت ينتج من صناعته كمية من غبار أفران أسمنت (Cement Kiln Dust) تصل إلى حوالي 9 طن.
3. ينتج عنها 19 معدن تقيل شديدة السمية بما فيها الزئبق والكادميوم والرصاص وغيرها.
4. إنطلاق مركبات الفيرونات والديوكسينات ومركبات ملوثة أخرى والتي تتواجد في الأسمنت نفسه وفي غبار الأسمنت المنبعث من عملية التصنيع.

ولكن في حالة أذا ما تم استخدام النفايات الخطيرة كوقود بديل… فما هو حجم التلوث؟:

1. الإنبعاتات الناتجة من عملية حرق تلك المواد الخطيرة وماتحتويه من مركبات سامة في أفران الأسمنت ستنطلق أما الى الهواء مباشرة حول المصانع فيلوث البيئة المحيطة لمسافات كبيرة، أو ينطلق عبر الغبار المتطاير فيكون ضرره مضاعف، أو تختلط مع المنتج النهائي من الأسمنت الجاهز فيصبح مصدر خطير للمواد السامة التي يتم خلطها فيما بعد من قبل المقاولين والبنائين مع المواد الأخرى خلال بناء البيوت والمباني السكانية بها بحيث تصبح تلك الجدران مصدر دائم للتلوث بالمواد السامة داخل بيوتنا.
2. أستخدام النفايات الخطيرة كبديل للوقود ينتج أكثر من 104% غبار أفران الأسمنت من المعدل الطبيعي.
3. سيكون نسبة تركيز المعدن الثقيل الرصاص أكثر من 250% عن النسبة الطبيعية.
4. سيكون نسبة تركيز المعدن الثقيل الكادميوم أكثر من 150% عن النسبة الطبيعية.
5. سيكون نسبة تركيز المعدن الثقيل الكروميوم أكثر من 50% عن النسبة الطبيعية.
6. سيكون تركيز نسبة المعدن الثقيل السلينيوم أكثر من 100% عن النسبة الطبيعية.
7. وستكون نسبة الديوكسين في الأنبعاتات أكثر من 700 ضعف، وفي مرجع علمي أخر ذكر أن حرق النفايات الخطيرة ينتج أنبعاتات ديوكسين 21 مرة في المحارق المخصصة له واما في حالة حرقه في أفران الأسمنت فينتج أكثر من 11667 مرة ديوكسين في الغبار الناتج.

كيف يتكون الديوكسين؟

يتكون الديوكسين من حرق الهيدروكربون الموجود في الوقود الأحفوري والأطارات والنفايات الخطيرة مع حرق الكلور الموجود كذلك في الفحم والأطارات وبعض النفايات الخطيرة كالنفابات الطبية. وتزداد نسبة الديوكسين كلما زادت نسبة الكلور في الوقود أو النفايات وكذلك في وجود بعض المعادن كعامل مساعد مثل النحاس وايضا الحديد والزنك والبوتاسيوم والصوديوم، ويبقى الغاز في دراجات الحرارة القليلة (200- 450 درجة مئوية). يعتبر الديوكسين من أخطر المركبات المعروفة للأنسان ويسبب مشاكل صحية كبيرة جدا في الخصوبة والعقم وإضطرابات نفسية وتشوهات للمواليد وتدمير للجهاز المناعي والأورام والكثير من المشاكل الصحية الأخرى. ومعظم تعرضنا للديوكسين (93%) يأتي من خلال أكل اللحوم وشرب منتجات الألبان.

الشكل (3): أهم طرق التعرض للديوكسين

لماذا نرفض حرق النفايات بمختلف أنواعها في أفران الأسمنت؟

حجم الضرر الذي يسببه حرق النفايات في أفران شركات الأسمنت كبير جدا وحجم التلوث التي ستعاني منها بيئتنا كبير جدا ولا اعتقد بعد هذا العرض أنه سيأتي من يفضل حرق النفايات الخطيرة بمختلف أنواعها بما فيها الأدوية المنتهية الصلاحية في أفران شركات الأسمنت مهما كانت المزايا والفوائد المالية التي ستعود علينا منها للأسباب التالية:
1. أفران الأسمنت (Cement kilns) لم تصمم في الأساس لحرق النفايات الخطيرة التي صممت لها محارق خاصة بها وبمواصفات علمية لهذا العمل (hazardous waste incineration).
2. هناك بعض الأشكاليات في القوانين واللوائح التي تنظم الانبعاتات وتلوث الهواء في معظم دول العالم قد تكون مشكلة لنا ولا نستطيع تطبيقها عندما نتعامل مع الهواء الملوث في أفران الأسمنت المحتوية وقود بديل كالنفايات الخطيرة لأسباب أن أفران الأسمنت بها جريان هواء أكثر (منافذ تهوية) بخمسة أضعاف الموجودة بمحارق النفايات الخطيرة.
3. الرماد والسوائل وبقايا الحرق في محارق النفايات الخطيرة تعتبر مواد سامة قانوناً كما هو مذكور في معظم القوانين البيئية في دول العالم (Hazardous waste laws) ويتم التعامل معها بحذر والتخلص منها وردمها على هذا الأساس أما رماد وغبار أفران الأسمنت لا تعتبر قانوناً مواد سامة فلا يتم التعامل معها بحذر كما ينبغي أن يكون.
4. من الصعب جدا مراقبة الأبخرة المتصاعدة وقياسها، لأن طريقة القياس نفسها يشوبها عقبات كثيرة فهي قد لا تعطي الصورة كاملة، ايضا القياسات تؤخد احيانا فقط لمرات قليلة ونادرة ولا تعطي الوضع الحقيقى للأنبعاتات فهي لا تقيس الانبعاتات خلال التشغيل (Start-up) أو الأقفال (Shutdown) أو في حالات حدوث خلل فني (Upset Conditions) وحالات حدوث الأعطال الفمية في الأفران كثيرة جدا.
5. الزمن المستغرق والحرارة المطلوبة خلال عملية تصنيع الأسمنت ربما لا تكونا كافيتين للتخلص النهائي من النفايات الخطيرة كالأدوية ولكنها كافية لأنهاء عملية تصنيع الأسمنت وهنا يحدث تلوث كبير صعب التحكم فيه.

المعارضة العالمية ضد حرق النفايات في أفران شركات الأسمنت:

حرق النفايات في أفران الأسمنت أصبحت نقطة جدل كبير وأحد المشاكل البيئية البارزة لما لها من أضرار على البيئة وصحة الناس، هذه المشكلة حركة الناشطين البيئين ضدها في عدة مناسبات ففي التجمع الكبير الذي حدث في مدينة بيرليتا الأيطالية في 8- 9 نوفمبر تحت عنوان ” الأوروبين يجتمعون ضد حرق النفايات في أفران الأسمنت” والذي ضمت أكثر من 200 ناشط بيئي من مختلف الأتجاهات البيئية والمنظمات الحكومية والغير الحكومية وخبراء النفايات من مختلف الدول الأوروبية للنقاش حول مشاكل التي تحيط بحرق النفايات في أفران الأسمنت وكيف العمل على وضع حلول لوقف أو التقليل من هذه المشكلة وتأثيرها. وقد حقق التجمع نجاحات كبيرة وتحصل على تغطية إعلامية جيدة وكان التجمع فرصة جيدة للتنسيق بين المنظمات البيئية الأوروبية مع بعض حول برنامج عمل موحد وأستراتيجية قوية لإيقاف شركات الأسمنت من حرق النفايات عبر أفرانها في أوروبا.

كما ألقاء الخبير الأمريكي البروفسور بول كونيت (Paul Connett) من جامعة السنت لورنس في نيويورك في كلمته الأفتتاحية بالتجمع الأوروبي أنه يعتبر حرق النفايات في أفران الأسمنت أكبر عائق ضد برنامج الذي تدعو إليه العديد من المنظمات والذي يسمى (zero waste) والذي يدعو الجميع لوضع حلول تساهم في التقليل من أنتاج النفايات وبالتالي تقل عملية التخلص منها فيقل التلوث البيئي. حيث ذكر الخبير بأن هذه الطريقة في الحرق تطلق للبيئة كم كبير من الملوثات الخطيرة وأبخرة سامة محتوية على الزئبق والرصاص والكادميوم وغيرها من الملوثات الخطيرة كما أن أفران الأسمنت تساهم في دخول هذه الملوثات للأسمنت نفسه فيصبح مصدر التلوث دائم في جدران بيوتنا وفي أماكن سكننا. وقال كذلك “مهما وضعتم من لوائح وإجراءات صارمة ومهما قمتم بمراقبة تلك العمليات ومهما عملتم من مكافحة لهذا الأمر فلا يمكن لكم التحكم في الجزئيات النانوية الدقيقة جدا (nanoparticles) للديوكسين والفيرونات أو المعادن السامة التي تنتج من حرق النفايات في أفران الأسمنت، فلن تستطيع أجهزة والمصفيات التخلص السليم من تلك الجزئيات النانوية الدقيقة جدا والتي ستسافر لمسافات كبيرة والتي ستبقى طافية لأزمنة طويلة في الهواء والتي في النهاية تستطيع إختراق رئاتنا بسهولة جدا”.

كم أكد ممثل الجمعية الدولية للدكاترة من أجل البيئة (www.isde.org) في كلمته بالتجمع بأن أفران الأسمنت تعتبر أسو من المحارق المخصصة لحرق النفايات عند مقارنة وتحليل الإنبعاتات والأبخرة السامة وقد عرض خلال كلمته عدة دراسات علمية عن الأضرار البيئية لتلك الإنبعاتات وبالأخص بعض المركبات على المواطنين وعلى الأطفال بالذات. كما ذكر أنه هناك عدة شركات أسمنت تحاول تحسين صورتها أمام العامة بنشر بعض الدراسات العلمية المغلوطة لتشتيت الرأي العام وإضعافه. كما تكلم منذوب أحد المنظمات البيئية في برشلونة الأسبانية والذي يقود حملة معارضة كبيرة ضد مصانع شركة أسمنت لأفراج (Lafarge cement plant) حيث ذكر أن كميات كبيرة من الغبار السام تراكمت في مدينته سببت أضرار صحية للمواطنين من ضمنها أرتفاع حالات الأمراض الرئوية التنفسية الخطيرة وزيادة الأمراض السرطانية وحدوث ولادات مبكرة.

الرسم الكاريكاتيري: حول استخدام شركة لأفراج للاسمنت النفايات الخطرة كالأطارات كوقود بديل في أفران الأسمنت وتبريرها للأمراض التنفسية التي تصيب السكان. المصدر المنظمة الأوروبية زيرو وست (Zero Waste, EU)

في بريطانيا ولمدة عشر سنوات قامت ناشطة بيئية بقيادة حركة تظاهر ضد شركة اسمنت سيميكس (Cemex) حيث أن الشركة تملك مصنع في وسط المدينة (Rugby) وتقوم بحرق النفايات وأطارات المستعملة بأفران الأسمنت بدون لوائح سليمة وتصاريح بيئية معتمدة، وقد رفعت الناشطة القضية إلى المحكمة بالمدينة ولكن لسوء الحظ أنتهت القضية لصالح شركة الأسمنت وتم تغريم الناشطة البيئية كل التكاليف المالية لرفع الدعوة، وقد أستأنفت القضية في المحكمة العدل الأوروبية. أما في سلفانيا ولمدة عشرة سنوات أستمرت المظاهرات ضد شركة لأفراج لصناعة الأسمنت لحرقها النفايات في أفران الأسمنت والتي لم تعر المتظاهرين أي أهتمام بالرغم من الدعم الذي وجده المتظاهرين من سكان المدينة. كما ذكر ناشط بيئي تاني من صربيا بأن مصانع شركة أسمنت (Holcim & Lafarge) تحرق في النفايات منذ 2006 والمصنع أصبح العمل الرئيسي له هو حرق النفايات وليس صناعة الأسمنت نظراء للارباح التي تتقضاها من وراء ذلك.

الصورة: مظاهرة في سلفانيا ضد شركة لأفراج للأسمنت بسبب التلوث الناتج من مصانعها .

وأخيراً… حماية البيئة التي نعيش فيها تحتاج منا إلى بدل المزيد من الجهد وإلى البحث عن طرق أخرى ناجعة للتخلص من النفايات الخطيرة وليس الهروب لحلول وقتية سهلة وسريعة ورخيصة. النفايات الخطيرة التي أنتجت وتراكمت كانت لأسباب مهمة ويجب علينا التخلص منها لأسباب مهمة كذلك، فصحة الأفراد في المجتمعات التي نعيش فيها سبب مهم.. وصحة البيئة وسلامتها أيضا سبب مهم.. وصحة وسلامة الكائنات البحرية والبرية التي تعيش معنا سبب مهم.. وصحة الكوكب التي يضمنا وليس لنا غيره أيضا سبب مهم.. فالتلوث الذي يحدث في لبنان أو في الجزائر أو في ليبيا سيصل للجميع… فنحن نسكن كوكب واحد ونتنفس هواء من غلاف جوي واحد.. وليس هناك جدار وحدود تفصلنا عندما يأتي التلوث.. فمشكلة التلوث هي مشكلتنا كلنا ويجب علينا أن نتحرك كل في نطاقه ولكن في الأخير اذا ما نجحنا فأن الفائدة ستعم الجميع.

References :

1. Mike Ewall and Katy Nicholson. (2007) Hazardous Waste and Tire Incineration in the U.S. and Mexican Cement Industries: Environmental and Health Problems. Energy Justice Network. www.EnergyJustice.net/cementkilns/
2. M. Achternbosch et. al.(2003). Heavy Metals in Cement and Concrete resulting from the Co-incineration of wastes in cement kilns with regard to the legitimacy of waste utilisation.UEP. ISSN 0947=8620
3. http://www.al-akhbar.com/node/225314
4. http://www.epa.gov/ttn/atw/pcem/plantlis.pdf
5. http://www.texascenter.org/publications/kiln.htm
6. http://www.djazairess.com/echchaab
7. Coal News and Markets, Week of November 6, 2005,” U.S. Department of Energy’s Energy Information Administration. http://tonto.eia.doe.gov/FTPROOT/coal/newsmarket/coalmar051106.html
8. http://tonto.eia.doe.gov/dnav/ng/hist/n9190us3m.htm
9. Coal News and Markets, Week of October 23, 2005,” U.S. Department of Energy’s Energy Information Administration. http://tonto.eia.doe.gov/FTPROOT/coal/newsmarket/coalmar051023.html
10. Kleppinger, Edward, “Cement Clinker: An Environmental Sink for Residues From hazardous Waste Treatment in Cement Kilns,” Waste Management, Vol 13, No 8, p.556, 1993. http://tinyurl.com/a3mwq
11. http://www.texascenter.org/publications/kiln.htm
12. http://www.ejnet.org/dioxin/catalysts.html
13. EPA, Report to Congress on CKD, December 1993)
14. http://www.epa.gov/ncea/pdfs/dioxin/2k-update/pdfs/Dioxin_Chapter_5.pdf
15. http://www.epa.gov/ncea/pdfs/dioxin/nas review/pdfs/part1_vol1/dioxin_pt1_vol1_ch02_dec2003.pdf
16. Texas Center for Policy Studies (http://www.texascenter.org/publications/kiln.htm); Spring Township info from Mike Ewall.
17. http://useit.umaine.edu/materials/ckd/general_information.htm
18. The review draft of U.S. Environmental Protection Agency’s “Estimating Exposure to Dioxin-Like Compounds – Volume 1: Executive Summary” June 1994. It can be found on the Dioxin Homepage: http://www.ejnet.org/dioxin/
19. GAIA: www.no-burn.org
20. www.energyjustice.net/cementkilns/
21. Zero Waste Organization, Europe: http://www.zerowasteeurope.eu/event/eureopean-meeting-about-incineration-in-cement-kilns/

الوسوم

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق