التشريعات البيئية

التدابير التحفيزية في القوانين البيئية

Incentive measures in environmental laws

التسابق المحموم بين الدول للريادة في المجالات الصناعية الكبرى بهدف كسب المزيد من الأموال وتحسين إقتصادياتهم والرفع من الدخل الوطنى لديهم جعلهم لا يكثرثون بما تسببها أنشطتهم من تدمير للبيئة أو أنهم يتغاضون عنها. لأن تطبيق المعايير البيئية السليمة لحماية الهواء والماء والتربة من التلوث الناتج من هذه الصناعات يعتبر مكلف مادياً وهذا الأمر قد لا يروق للبعض.

خلال العقود الماضية ظهرت شركات صناعية ضخمة تفوق الدول قوة وسلطة شغلها الشاغل زيادة أرباحها، أما البيئة وما يحدث فيها من مشاكل نتيجة أنشطتهم فليست من أهتماماتها نهائياً. سلطة ونفود هذه الشركات الصناعية الكبرى في الحكومات جعلها لا تتوانى عن فعل أي شيء في سبيل تمرير مشاريعها وكسب الأموال حتى أنها تستطيع تغيير الحكومات ببساطة كما يروق لمصالحها وإستثمراتها.

التغيرات الضارة التي شهدها هذا الكوكب في العقود الأخيرة كالتغير المناخ العالمي والأحتباس الحراري والتصحر وذوبان الثلوج وحدوث الكوارث المناخية المتطرفة كالزلازل والجفاف وتسونامي وغيرها من الكوارث هي نواتج التلوث الناتجة عن تلك الصناعات وأنشطة تلك الشركات الكبرى. هذه التغيرات المتطرفة الضارة قد توقعها العلماء بسبب حجم التلوث التي يعاني منها كوكبنا فكان من الضروري البحث عن حلول لوقف هذه التدهور البيئي.

لهذا الأسباب، كل الدول أصبحت تسن القوانين وتشرع اللوائح بهدف حماية البيئة من العبث. فترى المشرعون يضعون الأشتراطات والأوامر والنواهي بهدف تنظيم التعامل مع البيئة ومحاولة منهم لسد كل الثغرات التي يمكن للبعض التسلل منها والتسبب في الإضرار بالبيئة. فتجدهم يضعون العقويات والمخالفات الجنائية لردع كل من يحاول المساس بالبيئة والعبث بها، حتى أن بعض الدول التي تيقنت حجم الضرر الذي يحيط بنا سنت قوانين صارمة جدا وعقوبات قاسية في ما يتعلق بالجانب البيئي بهدف حماية المواطن لديهم والحفاظ على مجتمعاتهم نظيفة وآمنة، فتجد في تلك الدول أن الهيئات البيئية لديها سلطات رادعة ربما تفوق سلطات وزارات الدفاع والداخلية.

معظم الناشطين البيئيين رحبوا بمثل هذه القوانين، فالمشاكل البيئية التي تحدث في أي دولة هي مشاكل تمس الأخرين كذلك في الدول الأخرى وتمس كل من يسكن في هذا الكوكب فلا توجد حدود تمنع الملوثات من الأنتقال. ومن الأشياء الجيدة الجديدة والتي أنتبهت لها العديد من الدول عند سن القوانين البيئية وهي وضع فصول خاصة تعرف بالتدابير التحفيزية.

فما هي هذه التدابير التحفيزية في القوانين البيئية، وماذا يقصد بها المشرع؟

التدابير التحفيزية وهي حوافز تقدمها الدولة للمواطن أو الهيئات ولكل من يساهم في الحفاظ على البيئة على شكل تخفيضات ضريبية أو جمركية أو تسهيلات مالية أو قروض وهبات وغيرها، وسأعطي هنا مثال عن التدابير التحفيزية من إحدى القوانين العربية، القانون اللبناني (رقم 64/88) وهو قانون عن المحافظة على البيئة ضد التلوث من النفايات الضارة والمواد الخطرة الصادر في سنة 1988.

المادة العشرون كانت حول التدابير التحفيزية حيث أعطى المشرع اللبناني حوافز في شكل تخفيضات على الرسوم الجمركية من الدولة للمواطن أو الجهات تصل إلى 50% لكل من يستعمل تجهيزات وتكنولوجيات تسمح بتفادي أو بتقليص أو القضاء على أشكال التلوث كما وبمعالجة النفايات وإعادة تصنيعها واستعمالها.

كما أعطى القانون اللبناني تخفيضات على الضرائب تصل أيضا إلى 50% لشخص طبيعي أو معنوي يقوم بنشاطات تحافظ على البيئة. كما أعطى القانون الصلاحية لمجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري البيئة والمالية والوزير المختص اعتماد كل تدبير تحفيزي إقتصادي أو مالي آخر المهم أنه يساهم في الحفاظ على البيئة.

مثل هذه التدابير التحفيزية بالتأكيد ستساهم وتشجع المستثمرين ورؤساء الأموال لخوض نشاطات تحافظ على البيئة، ومن واجب الدول دائما دعم الأشخاص والهيئات التي تسعى لمثل هذه الأنشطة.

غاية ما يتمناه المرء في حياته هو أن يعيش وأسرته في بيئة سليمة تضم تربة وهواء ومياه نظيفة… فهي الصحة والسعادة… ومن فينا لا يمقت العيش في بيئة ملوثة… فكلنا يكره التربة والهواء والمياه الملوثة…لأنها ببسطة تجلب لنا الأمراض وتنغص علينا حياتنا وقد تتسبب في هلاكنا. لهذا سنت الدول القوانين والتشريعات للمحافظة على البيئة وأعطت الحوافز لمن يساهم في صون البيئة والحفاظ عليها.

أما الأنشطة التي قد تنتج ملوثات ضارة للبيئة فمن العادة أن يضع المشرع القانوني عراقيل عليها للتقليل من ممارستها أو منعها نهائياُ. فالعديد من الدول أصبحت تحد أو تمنع الأنشطة الملوثة للبيئة بوضع معايير قوية وأشتراطات صارمة لممارستها ولعل أفضل مثال على هذه الأنشطة الملوثة للبيئة وهي المحارق والتي من ضمنها محارق النفايات الطبية.

ففي الولايات المتحدة مثلا كان هنالك حوالي 4500 محرقة للنفايات الطبية في أوائل التسعينيات، واليوم بقي منها اقل من 2500.  ومن الأرجح إن غالبية هذه المحارق ستقفل قريبا كونها لا تراعي أنظمة حرق النفايات الطبية الأخيرة الصادرة عن الوكالة الأميركية لحماية البيئة. كما تم غلق 4600 محرقة في اليابان أى 17 % من أصل 27 ألف محرقة كانت عاملة في بلد المحارق وذلك بسبب الشروط القانونية  الصارمة التي فرضت على انبعاثات الديوكسين منذ يناير 1999.

أعداد المحارق في اليابان التي أصبحت في تناقص بسبب القوانين الصارمة التي سنتها في مجال البيئة

فالمشرع في هذه الدول سعى لاعتماد البدائل القائمة على عدم الحرق عبر اعتماد تقنيات مثل “التعقيم البخاري” (Autoclave) أو ” التطهير عبر الموجات الصغرى”  (Microwave) وغيرها من التقنيات لإدارة النفايات بطريقة سليمة محافظة على البيئة. هذه التقنيات تعتبر من التقنيات التي تعطي حوافز لها كالتخفيضات الجمركية والضريبية لأستيرادها واستعمالها بدلا عن تقتيات الحرق بالمحارق.

وأخيرا، القوانين هي عبارة عن أوامر ونواهي  في شكل لوائح وإجراءات وضعت بهذف تنظم حياتنا ومنع من يحاول العبث بها والتدابير التحفيزية بها هي مزايا لدعم كل من يقوم بعمل جيد يهذف للمحافظة وحماية الأفراد في المجتمعات.

المراجع

القانون اللبناني (رقم 64/88). قانون عن المحافظة على البيئة ضد التلوث من النفايات الضارة والمواد الخطرة الصادر في سنة 1988.

ثابت عبد المنعم إبراھيم (2012). الآثار البيئية لمشكلة التخلص من النفيات بالحرق. مجلة أسيوط للدراسات البيئية. العدد 36، يناير، جمهورية مصر العربية.

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق