أحداثمعالجة النفايات الطبيةمنوعات

المافيا البيئية الإيطالية

Italy’s Eco Mafia

“عندما تسمع أسم المافيا يتبادر إلى الذهن تهريب الكوكايين والإبتزاز وغسيل الأموال ولكن في الأونة الأخيرة عدة عائلات إجرامية من المافيا الإيطالية وسعت نطاق أنشطتها لتشمل تداول النفايات السامة وتهريب الموارد الطبيعية. نعم، أصبحت المافيا  خضراء ولكن ليس بطريقة جيدة.”

بهذه الكلمات ابتداءت الكاتبة كريستين ماكدولند مقالتها حول المافيا البيئية في إيطاليا التي نشرتها في المجلة الألكترونية (E Magazine) بتاريخ 1 مارس 2012. هذه ترجمة للمقالة أردت عرضها في الموقع المخلفات الطبية لكي أظهر حجم التحديات والمشاكل التي تواجهة البيئة المحيطة بنا من هذه المنظمات الإجرامية وما تفعله من تدمير للبيئة في سبيل المكاسب المالية.

أيضا أهدف من عرضى لها، لكي أظهر للساعين للتقارب من الحكومات الأوروبية مثل الحكومة الإيطالية حجم الفاسد التي يسرى في جسد تلك الحكومات، فهي لا تستطيع أن تحمى بلدانها من جرائم وفساد تلك المنظمة فكيف تستطيع أن تحمى البلدان الأخرى وخاصة الدول الإفريقية الفقيرة والضعيفة.

فالوجهة الجديدة للمافيا لممارسة أنشطتها الغير قانونية من التخلص من نفاياتها السامة هي الدول الإفريقية الضعيفة وليبيا إحدى هذه الدول فنحن الجار الإقرب والأكبر مساحة والأطول شواطيء والأنسب في الظروف الحالية بكل المعايير الفساد، كوجود حكومات ضعيفة وأجهزة دولة هشة ووجود إنفلات أمني رهيب وسيطرت مجموعات مسلحة قد تغولت على المواطن البسيط ولا يوجد لها عمل إلا إختلاس الأموال والسطو على ممتلاكات الدولة بشتى السبل.

في إيطاليا وحدها، ارتكبت مجموعات المافيا أكثر من ثلاثون ألف جريمة بيئية في عام 2010 ، حسب إحصائيات قامت بها مجموعة البيئية الإيطالية (Legambiente). وهي تشمل الاتجار بالحيوانات النادرة وسرقة الأخشاب، وإدارة المسالخ غير القانونية وخطط لإعادة توجيه موارد المياه. حتى أن أسرة من المافيا حاولت أن تسيطر على أعمال مزارع تشتغل إجهزتها بطاقة الرياح. ولكن التخلص من النفايات السامة (Toxic Waste) أثبت حديثاً أنه الصناعة الواعدة والمربحة جدا على الرغم من إزدياد القوانين واللوائح التي تنظمها قوة وصرامة خلال السنوات الأخيرة.

أحد الناشطين السابقين في منظمة السلام الأخضر ومستشار في إدارة النفايات قال ” أن 30% من أجمالي النفايات المتولدة في إيطاليا تدار بواسطة مجموعات الجريمة المنظمة (Organized Crime)، أي ما يقارب 30- 40 مليون طن متري في السنة”.

يقول مراقبي المافيا في الأنتربول ووزارة العدل الأمريكية أنه بمجرد دخول مجموعات المافيا في التعامل مع النفايات السامة خلال العقود القريبة الماضية أصبحت هذه التجارة تجارة عالمية فرضت نفسها على العديد من الدول. إلى جانب الضرر الذي يلحق الإنسان والبيئة المحيطة، فأن التجارة غير الشرعية في النفايات قد غذت هذا الفساد وعززت من قوة العصابات الأجرامية في كل البلدان على حد سواء من حيث شحن وأستقبال النفايات السامة.

تقدر المجموعة البيئية الإيطالية (Legambiente) أن الأعمال التجارية غير القانونية في مجال التخلص وإلقاء النفايات السامة على الأراضي الزراعية الإيطالية وتحت المباني الإنشائية تبلغ أكثر من 26 مليار دولار سنوياً. وفي الوقت نفسه ، يقول مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في جميع أنحاء العالم (Office on Drugs and Crime) إن تجارة السلع غير المشروعة بما في ذلك الأرباح من إلقاء النفايات السامة ونهب الموارد الطبيعية ، وكذلك الاتجار في البشر والأسلحة والسلع المقلدة تبلغ قيمتها السنوية 130 مليار دولار. وهذا يعتبر أكثر من مبيعات الكوكايين والهيروين السنوية مجتمعة.

في إيطاليا وحدها، ارتكبت مجموعات المافيا أكثر من ثلاثون ألف جريمة بيئية في عام 2010 ، حسب إحصائيات قامت بها مجموعة البيئية الإيطالية

أحد المسئولين في ميناء أنتويرب في بلجيكا أعترف بأنهم يفقدون مسار واحد من كل أربع حاويات شحن تحمل نفايات. وفي نفس الوقت الذي عززت فيه الدول قوانينها ضد التخلص غير الآمن من النفايات عززت مجموعات المافيا قبضتها على الصناعة في إيطاليا وفي أماكن أخرى، غالبًا عن طريق تسيرها لشركات تسيطر عليها لها صبغة قانونية لإدارة النفايات وكذلك استخدام العلاقات مع الحكومات المحلية للتوسع في تجارة النفايات. وقد ذكرت التقارير بأن هذه الجماعات تستفيد في إنجاز عملها الجديد وتفرضها بطرقها الإجرامية القديمة المتعلقة بتجارة المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر.

قال ميشيل بولو أستاذ الاقتصاد بجامعة بوكوني بميلانو لوكالة رويترز العام الماضي إن الجماعات الإجرامية المنظمة في إيطاليا اخترقت أعمال البناء واللوجستيات والضيافة وتجارة التجزئة وتجارة الجملة. طرق التجارة غير المشروعة تنقل الطمي الصناعي الملوث (Industrial Slag) والنفايات السامة من المصانع والمستشفيات الأوروبية إلى إفريقيا، حيث يتم إلقاءها بطريقة غير قانونية. وفي الوقت نفسه، تنتقل المعادن والأخشاب المسروقة من الجنوب العالمي إلى أوروبا باستخدام البنية التحتية المصممة لتهريب المخدرات.

وفقا لما ذكره البحاث، أن إيطاليا مع تاريخها الطويل في التعامل مع الجريمة المنظمة، لديها مشكلة صعبة أخرى تتصارع معها وهو أن نشاط المافيا يساهم في ما بين 7 ٪ و 11 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا وهذا يعطينا حجم التغلغل. وقد تسببت الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية في تسارع وتيرة سيطرة المافيا ونشاطاتها، وخاصة عبر طريقة “الإقراض الابتزازي” (Extortionist Lending) لشركات القطاع الخاص المتعثرة الذي تتبعه قد وضع قبضة المافيا على مناطق بأكملها من البلاد.

حتى أن مجموعة مكافحة الجريمة (SOS Impresa) ومقرها باليرمو ذهبت إلى حد وصف الوضع في إيطاليا بأنه حالة طوارئ وطنية. وقد أكد ذلك تقرير جديد حول هذه القضية قال: “أن وجود 65 مليار يورو من السيولة، فأن المافيا هي البنك الأول في إيطاليا”.

بصفة عامة، لم تعد تقتصر هذه المجموعات في نشاطاتها على صقلية وإجزاء أخرى من جنوب إيطاليا بل هي تتوسع شمالاً لتشمل كل أنواع الأعمال الإجرامية كتهريب المخدرات والإبتزاز والقتل بالإضافة إلى مدافن النفايات غير المشروعة وغيرها من الجرائم البيئية.

قامت شرطة مكافحة المافيا بعشرات الأعتقالات في إحدى ضواحي ميلانو حيث أتهمتهم بالقاء نفايات مسرطنة في الحفريات الإنشائية في مواقع البناء التي تسيطر عليه قبل بناء المنازل ومراكز التسوق وملاعب كرة القدم عليها.

في جنوب إيطاليا ، حيث يستمر دفن النفايات منذ فترة طويلة، يتزايد القلق بشأن الآثار المترتبة على صحة الإنسان. فقد إجريت إختبارات على جبن الموزاريلا الشهيرة (Buffalo Mozzarella Cheese) بالقرب من نابولي فوجدت مستويات عالية جدا من الديوكسينات المسببة للسرطان في عام 2008.

في غضون ذلك ، قاد أنطونيو جيوردانو، رئيس معهد سبارو لأبحاث السرطان بجامعة تمبل في فيلادلفيا، فريقًا من الباحثين في مجال السرطان إلى كامبانيا. حيث وجد التحقيق ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وحدوث وفيات والتشوهات الخلقية الخطيرة في المناطق التي حدث فيها عمليات الدفن. وقد نشرت النتائج في مجلة العلمية  (Cancer Biology & Therapy) في شهر يوليو الماضي.

وقد عقب أنطونيو جيوردانو على تلك النتائج أنه وبدون أي شك فأن النفايات التي تم ردمها في سنوات السبعينيات القرن الماضي هي المسئولة عن أرتفاع معدل الإصابات بالأورام والتشوهات الخلقية للمواليد والأضرار الصحية الأخرى. كما أننا لحظنا أختلال وأضرار جينية في الحمض النووي في الأشخاص القاطنين في تلك المناطق وهذا فقط يفسر سنوات وسنوات طويلة من دفن النفايات السامة. وقال يجب أن تجبر هذه الأبحاث المنشورة الحكومة الأيطالية على دعم كامل وشامل لتنظيف الأماكن التي تلوتث بالنفايات السامة.

Reference:

Christine MacDonald (2012). Italy’s Eco Mafia. E Magazine. Issue March 1, Page 14-15.

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق