إدارة النفايات الرعاية الصحيةالمرافق الصحيةمنوعات

المستشفيات في البنايات السكنية وإدارة النفايات الطبية

Hospitals in residential buildings & medical waste management

ترافق مع النهضة المعمارية والتطور الحضاري في العديد من الدول زيادة كبيرة في قطاع الخدمات الطبية فأنتشرت المستشفيات الخاصة والعيادات الصحية المجمعة والمختبرات الطبية والمراكز التشخيصية وخاصة في بعض الدول التي أصبحت تشجع وتدعم هذا القطاع لما له من فائدة صحية عامة تعود على المواطنين وفائدة مالية كبيرة تعود على ميزانية البلد نتيجة إنتعاش الحركة الإقتصادية وخلق فرص عمل للشباب.

في الأونة الأخيرة، ظهر مصطلح جديد يعرف بالسياحة العلاجية كمصدر دخل قومي  جديد يعتمد عليه، والعديد من الدول العربية نجحت نجاح كبير في هذا المجال مثل الأردن وتونس والأمارات العربية المتحدة، فقد تمتعت هذه الدول بسمعة طيبة حتى أن زوارها ليس فقط من الدول العربية المجاورة بل البعض يأتون لها للعلاج وللكشوفات الطبية من مختلف الدول الأوروبية بسبب جودة الخدمات الطبية وقلة الأسعار بالمقارنة بالدول القادمين منها بالأظافة لعوامل إعتدال المناخ في الدول العربية المناسبة للكثيرين.

هذه التوسع الذي حدث في قطاع الخدمات الصحية في هذه الدول رافقه تحديات كبيرة منها كيفية إدارة النفايات الطبية بالطرق السليمة في هذا الكم الكبير من المرافق الصحية وخاصة في بعض المرافق والمراكز الصحية الموجودة داخل الأبنية السكنية. فوجود مستشفيات ومرافق صحية تشغل جزءاً من بناية سكنية قد يعرقل عمليات نقل النفايات الطبية أو أحتمال إختلاطها مع النفايات المنزلية لسكان البناية فيعرض السكان للإصابة بعدوى ميكروبية خطيرة عبر الهواء والملامسة المباشرة أو غير مباشرة أو يعرض عمال نقل القمامة التابعين للبلدية أو عمال شركات النظافة العامة الغير متخصصين في نقل تلك النفايات الطبية الخطيرة للمخاطر البيولوجية.

في مقالة لجريدة البيان الأمارتية بعنوان ” مستشفيات البنايات السكنية خاصرة ضعيفـة في تصريف النفايات الطبية بأمان” في موقعها على الأنترنت (www.albayan.ae) نوقشت فيها هذه القضية وهي أنتشار تواجد مستشفيات ومرافق صحية بداخل البنايات السكنية المبنية على هذا الأساس وليست كمستشفيات أو مراكز صحية خدمية.

ذٌكر في المقال أن إمارة أبوظبي بدولة الأمارات العربية المتحدة (متمثلة في دائرة التنظيم الصحي في هيئة الصحة بأبوظبي) قد تنبهت لهذه المعضلة الصحية وأتخذت عدة قرارات صارمة، فأنذرت المستشفيات والمراكز الصحية بأن تنقل أماكنها خارج البنايات السكنية، وقررت عدم الترخيص لمشاريع المستشفيات في البنايات السكنية المؤجر جزء منها للسكن أو الانتفاع، كما أمهلت المنشآت الصحية التي تشغل جزءاً من بناية سكنية بأن تبحث عن بديل وتغير من أوضاعها خلال خمس سنوات. وقد علل المعنيين بأن هذا القرار أستهدف إبعاد المستشفيات الخاصة عن البنايات السكنية لتجنب السكان من التعرض للعدوى.

من خلال المقالة يظهر لنا بأن السلطات الصحية بدولة الأمارات العربية المتحدة قد أنتبهت لهذه المشكلة من إنتشار المرافق الصحية في البنايات السكنية ووضعت لها حلول صارمة منذ البداية حتى لا تتفاقم، ولكن الحال يختلف في العديد من الدول العربية الأخرى والتي لم تضع لوائح وإجراءات واشتراطات إجبارية حول المواصفات الهندسية لمباني المرافق الصحية أو حتى المواصفات الهندسية لإختيار الموقع المناسب لبناء مستشفى عند إعطى التراخيص وأذونات مزاولة العمل في القطاع الخاص.

بصفة عامة، يسعى غالبية المستثمرين والممولين لمشاريع المراكز الصحية في القطاع الخاص لتقليص الميزانيات المخصصة لإنشاء المباني المناسبة فتجدهم يستغلون الشقق السكنية في الشوارع الرئيسية المزدحمة ويتم تمليكها أو تأجيرها وتفتح كمستشفيات ومرافق علاجية تم بعد فترة زمنية عندما يتحصلون على أرباح مالية يشترون الشقق المحاذية لها ويقومون بصيانتها وتحويرها (وأحيانا كثيرة لا تقبل تلك المباني ذلك التحوير) وتحول ما بين عشية وضحاها لإقسام طبية علاجية إضافية تٌضم إلى المبنى القديم عبر ممرات وسراديب ضيقة مظلمة غير ملائمة صحياً للمرضى ولا الزوار غير مزودة بمخارج للطواريء، تلك الممرات التي كان يجب أن تكون مضاءة ومهواة جيداً وأن لا يقل عرضها عن 2.20 م مع مرعاة الاشتراطات الخاصة بالخدمات الخاصة للمعاقين ودوى الأحتياجات الخاصة.

كما تلاحظ أيضا وجود أبواب كثيرة لنفس المستشفى في عدة شوارع مختلفة وتجد أقسام تابعة لذلك المستشفى في هذا الشارع وإقسام أخرى في الشارع الذي يليه بطريقة تربك الزوار والمرضى وتجعلهم يبحثون عن منافذ الدخول والخروج مسببة ربكة كبيرة في المخططات العمرانية للبلدية وربكة كبيرة لمقدمي الخدمات الطبية المساعدة والضرورية للمستشفى مثل عمال النظافة والصيانة والمشتريات وغيرها.

ذكٌر في مقالة حول المعايير التخطيطية والتصميمية الهندسية للمستشفيات أن هناك علاقة بين مساحة الأرض وعدد الأسرة في المستشفى، حيث يخصص عادة مساحة ما بين (120 – 125)م2 لكل سرير، كما يخصص 10م2 لكل سرير من الحدائق ومراعاة إمكانية التوسع المستقبل وهذا لا يمكن توفيره بالمستشفيات في البنايات السكنية.

كما تعاني غالبية المستشفيات الخاصة المستحدثة بهذه الطريقة (من خلال الملاحظة الشخصية) من عدم وجود مواقف للسيارات تتبعها أو أنها غير كافية لتلك الأعداد الكبيرة من المترددين عليهم وقد تحولات تلك الشوارع أمام البنايات السكنية إلى كابوس وآرق دائم لسكان ذلك الحي ومصدر ازعاج كبير لهم عند رجوعهم لبيوتهم، لهذا تلاحظ السواتر الحديدية والسلاسل وأحياناً براميل وحجارة يضعها أصحاب البنايات أمام مداخل بيوتهم حتى يمنعون سيارات الزوار والمترددين على المستشفيات من الوقوف أمام بناياتهم، وحتى يتمكنون من ركن سياراتهم حين العودة.

لاحظت شخصياً أن هذه المشكلة قد تفاقمت في جمهورية مصر العربية بمدينة القاهرة خلال زيارتي الأخيرة هذه السنة، حيت أنه لم يتم أتخاذ أي إجراءات قانونية بخصوصها من قبل الجهات الحكومية المتخصصة، فتجد أنتشار كبير جدا للمستشفيات الخاصة في البنايات السكنية بدون تنسيق وتخطيط عمراني وخاصة في الأحياء القديمة الحيوية للقاهرة مثل حي المهندسين والزمالك وغيرها بحيث أصبح الأزدحام في تلك الشوارع التي بها المستشفيات الخاصة أمر لا يطاق بالنسبة لسكان تلك الأحياء.

في هذه المقالة سأتكلم عن الحالة الليبية في مدينة طرابلس بالتحديد، على الرغم أن عدد السكان بهذه المدينة لا يتجاوز الثلاثة مليون ولا يمكن مقارنتها بعدد السكان في مدينة القاهرة ولكن نفس المشكلة تحدث وبكثرة وهذا دليل على عدم وجود لوائح قانونية تنظم هذه المسائل أو أنها موجودة ولكن لا يتم إتباعها.

تحتوي بيئة المستشفى على مختلف أنواع الميكروبات التي تستطيع الصمود ضد المضادات الحيوية فلا يعقل أن تكون في نفس البنايات السكنية

في الحالة الليبية، سيجد المتجول بمدينة طرابلس أمثلة كثيرة عن المستشفيات الخاصة والتي بداءت خدماتها في بيت واحد فقط (فيلا سكنية واحدة) وخلال عدة سنوات أصبحت تضم بيوت كثيرة في عدة شوارع، ونلاحظ عادة أن هذه المستشفيات الخاصة يتم بناءها في الشوارع الرئيسية المعروفة والمكتظة بالسكان والتي تعاني من ازدحام حركة المرور حتى قبل إنشاء تلك المستشفيات مثل شارع بن عاشور وشارع الجرابة وشوارع حي الأندلس وشارع الظل والنوفليين وغيرها الكثير وهي شوارع قديمة ضيقة يغلب عليها الطابع التجاري.

بعض المستشفيات والمصحات الخاصة قد أقفلت شبه بالقوة بسبب احتجاج السكان المجاورين لها بعدما أصبحت حياتهم لا تطاق نتيجة الآزدحام والضوضاء الناتجة من المستشفيات والتي كانت تشتغل على مدار الأربعة والعشرون ساعة لأحتوائها على أقسام أسعاف وهذا كله حدث بسبب ضعف الخدمات الصحية الليبية التي كانت تقدمها المستشفيات الحكومية العامة وأيضا ضعف اللوائح القانونية وعدم وجود المواصفات الهندسية للمرافق الصحية عند أعطاء التصاريح لفتح المستشفيات والمرافق الصحية الخاصة.

ليست المشكلة في المرافق الصحية الموجودة في المباني السكنية هي كيفية التخلص من النفايات الطبية الصلبة فقط ولكن المشكلة أيضا في كيفية التخلص من النفايات الطبية السائلة، وأقصد هنا المرافق الصحية في القطاع الخاص مثل مختبرات التحاليل الطبية ومختبرات الباثولوجي الذين ينتجون كميات كبيرة من السوائل الكيميائية والأحماض والمذيبات ويستعملون نفس شبكة الصرف الصحي للمباني السكنية. كما لا ننسى عيادات الإسنان وأنتشارها في المباني السكنية وما تنتجه من ملوثات السائلة بالمعادن الثقيلة والتي تتراكم على مر السنين في شبكة الصرف الصحي للبلدية فتصبح مصدر دائم لإنتاج ملوثات خطيرة مثل الزئبق وذلك لأن كل عيادات الإسنان الليبية لا تستعمل أجهزة لفصل الأملغم من الصرف الصحي الناتج عنها.

مع تطور أساليب العلاج كان لا بد من تطور مماثل في تخطيط وتصميم المستشفيات فيجب على المستشفى ان تعطي للمريض الاحساس بالامان والراحة سواء في فراغاتها الداخلية او الخارجية ويمكن تحقيق ذلك عن طريق الكثير من الطرق المعمارية كالاضاءة الطبيعية والالوان ومقياس الكتل والاحجام، ولكن بوضع المستشفى داخل بنايات سكنية غير معدة لهذا العمل سيكون الأمر غير مريح نهائياً.

ضعف اللوائح والقوانين التنظيمية للقطاع الخاص في الدولة يجعل الكثير من أصحاب المستشفيات والمصحات الخاصة يتهربون من إلتزاماتهم الأخلاقية إتجاه المجتمع والمواطنين والبيئة المحيطة ويبقى فقط همهم الأكبر هو زيادة الأقسام العلاجية وتضخيم أرباحهم المالية وهذا يربك المخطط المعماري للمدينة من جهة ويكون مصدر قلق وإزعاج للمرضى والزوار. ومصدر محتمل لنقل عدوى المرض للمواطنين بالبيئة المحيطة.

في المستشفيات المثالية هناك علاقة بين مساحة الأرض وعدد الأسرة في المستشفى

مباني المستشفيات هي مباني لها متطلبات خاصة وليست كالمباني الأخرى ولا يمكن بأي حال من الأحوال فقط وضعها وحصرها في مباني سكنية، فهي مباني لها متطلبات وأبعاد صحية ونفسية وتقنية واجتماعية وإقتصادية وبيئية وتقافية وهذا كله ينظر له عند وضع التصميم المعماري له.

المرجع:

  • مستشفيات البنايات السكنية خاصرة ضعيفـة في تصريف النفايات الطبية بأمان. مصطفى خليفة وأخرون، جريدة البيان. 24 أكتوبر 2016. (www.albayan.ae)
  • التصميم المعماري للمستشفيات مجلة البناء العربية30 مارس 2016. (albenaamag.com)

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق