أحداثالمخلفات الكيميائيةمنوعات

رمي النفايات السامة في لبنان

Dump of Toxic Waste in Lebanon 

دائما الحروب الأهلية والإنفلات الأمني وسيطرة المليشيات المسلحة في أي دولة يضعفها وينهك مؤسساتها فتصبح هشة ويتفشى فيها الفساد ويفقدها السيطرة على أراضيها ومياهها الأقليمية.

الأمر الذي يجعلها لقمة سائغة في يد العديد من الدول الكبرى أو شركاتها الصناعية الضخمة فيسعون للأستفادة القصوى من ذلك الوضع فيجعلون هذه الدول ساحة لممارسة أنشطتهم الغير القانونية والتي لا تستطيع القيام بها في دولهم.

وأسوء هذه المناشط الغير الإخلاقية على الأطلاق هو التخلص من أهم ما يؤرقها وهي النفايات الخطرة (Toxic Waste) التي نتجت من صناعاتها الكبرى والتي ستكلفها المليارات من العملات الصعبة إذا ما اردت التخلص منها في بلدانها بالطرق البيئية السليمة فترسلها لتلك الدول الضعيفة وتدفنها هناك وتجعلها مكب لنفاياتها السامة بدراهم قليلة رشوة تدفعها لتلك المليشيات المسلحة مقارنة بما كانت ستنفقه من أموال طائلة في المعالجة. فترميها بهذه البساطة وبدون النظر لإضرار الكارتية التي خلفتها وراءها كأنا من يقطنون تلك الدول ليسوا من البشر ولا يستحقون العيش في بلد نظيف مثل بلدانهم التي يفتخرون بنظافتها وجمالها ورقيها.

هذا بالضبط ما حدث لبلد عربي صغير يعتبر من أجمل البلدان العربية، لبنان التي أبتليت بحرب أهلية أستمرت لمدة 15 سنة (1975- 1990) أضعفت مؤسساتها وسيطرت عليها مليشيات مسلحة تقاسمت البلاد كمناطق نفود بينها. حتى أن بعض المليشيات المسلحة في بيروت العاصمة قامت بالأتفاق مع مافيا النفايات الإيطالية بعقد صفقة بتوريد أكثر من 15800 برميل من النفايات الكيميائية السامة أنتجتها شركة “إيكولايف” الإيطالية التي سلمتها لشركة “جيلي واكس” المتخصصة في التخلص من المواد السامة (سيئة السمعة) التي كانت سترسل شحنتها إلى فنزويلا تم وقع الأختيار في الأخير على لبنان.

فأرسلت شحناتها إلى مرفاء بيروت على متن الباخرة التشيكية  “ردهوست” في 21 ايلول/سبتمبر 1987 إلى شركة محلية بحجة بيع مواد أولية للصناعة لشركة هندسية محلية. فارسلت الكميات إلى الميناء الذي كان تحت سيطرة تلك المليشيات، فتم رميها وتوزيعها على عدة أماكن بالمدينة وضواحيها، وقد تقاضت المليشية المسلحة مبالغ تراوحت بين 22- 25 مليون دولار مقابل هذه الصفقة.

وزعت براميل النفايات الكيميائية السامة في العديد من الأماكن بما فيها الغابات

حسب التقارير، قد تأخر الكشف وصول هذه الشحنة حوالي تسعة أشهر، الوقت الكافي للتخلص من البراميل، فتم رميها في العديد من المناطق وضواحي مدينة بيروت، ولم يسلم الميناء ولا الكسرات ولا الغابات والعديد من المدن الأخرى كصيدا وطرابلس حتى أن أحد الأخصائيين الذين وكلت لهم عملية الكشف عن تواجد البراميل قال بأن ” البراميل موجودة في كل لبنان وليست محصورة فقط في ما كان يسمى بالمناطق الشرقية”.

الشيء المحزن أن البراميل وزعت على كامل البلاد والبعض منها كما ذكرت التقارير قد بيعت بسعر مغر إلى بعض المصانع التي لم تكن على دراية بنوعية المواد داخلها، إلى بعض مصانع العطور ومساحيق التجميل في لبنان على أنها مواد أولية تدخل في صلب صناعتهم. كما ذكر أيضا أن بعض الأهالي قد قاموا بأستعمال محتويات بعض البراميل التي كانت شبيه لمعجون الحلاقة وقد توفى شخص لاحقا من استعملها، كما قام البعض بتفريغ هذه البراميل من محتوياتها وغسلها وبيعها للمطاعم التي استخدمتها لوضع المخلالات والزيتون والعصير وغيرها، وبعض المنازل استعملتها لتخزين المياه ومواد أخرى، ولم يكونوا يعلمون ماذا تحتوي هذه البراميل وهو ما أدى إلى إصابة عدد منهم بأمراض مختلفة، منا سرطانية.

حسب تقارير الخبراء اللبنانيين والتحاليل التي أجريت بأن هذه النفايات تتكون من حوالي 12 مادة تتراوح بين الملوثة والمتفجرة والسامة والسامة جدا. وتبيّن أن نوعية النفايات حسب التقرير الذي قدمته اللجنة هي: “نفايات فرنسية فاسدة وأكثرها مواد متفجرة ونفايات لمواد بلاستيكية ناتجة عن التركيبات السامة؛ نفايات صمغية فاسدة وسامة معدة للتلف؛ نفايات مذيبات فاسدة ناتجة عن غسل الآلات؛ نفايات مختبرات الأبحاث والتحاليل الكيميائية لمواد ومذيبات ملوثة وسامة ومعدة للتلف؛ نفايات لمواد وشحوم بترولية ناتجة عن فضلات وبقايا دهانات الأرصفة والخزانات البترولية؛ نفايات لمواد كيميائية ناتجة عن فضلات صناعة الأدوية والمعقمات والمطهرات المنزلية الفاسدة؛ نفايات ناتجة عن الاستعمال الكهرو كيميائي تحتوي على أملاح سامة جداً؛ النفايات الناتجة عن صناعة المبيدات”.

بعد إنكشاف الصفقة وخروجها للإعلام، حاولت الحكومة الإيطالية التهرب من مسؤولياتها ولكن تحت الضغط  وافقت على أن تقوم بعض الشركات العالمية متخصصة في نقل وأتلاف النفايات السامة والخطرة في التخلص من هذه الكميات الضخمة. عندها كما ورد بالتقارير قامت الحكومة الإيطالية بالتحايل في نقل النفايات فلم تقم بعملها على صورة جيدة وكما يجب أن يكون فتركت كميات كبيرة من البراميل وايضا لم يتم تنظيف ألأرضية والتربة التي تلوثت كما تم سكب كميات كبيرة في البحر من قبل العمال المخول لهم نقل النفايات، كما أن العملية النقل تأخرت لعدة شهور من المماطلة، وقد ذكر أحد الخبراء اللبنانيين بأن ماتم نقله فقط 30-40% من أجمالي كمية النفايات السامة.

لا زالت هذا القضية أمام القضاء اللبناني ولم يتم محاكمة المسئولين الفعليين والأهم من ذلك أنه لن يستطيع أحد معرفة حجم الضرر الذي حدث في لبنان وللبنانيين بسبب هذه النفايات السامة على الموجودين أو على الأجيال القادمة.

المرجع:

جويل بطرس(2018)  بدايات قضية النفايات السامة في لبنان (1987 – 1989). 2018-06-2

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق