المخلفات الكيميائية

مكبات النفايات الخطرة وأراضي الواحات

Hazardous waste landfills and oasis lands

تمتاز الصحراء الليبية الكبرى منذ القدم بوجود واحات جميلة  متناثرة، كانت نقطة أستراحة لقوافل المسافرين وعابرين الصحراء حيث وفرت لهم الماء والغذاء والراحة من عناء السفر والظل من لهيب شمس الصحراء القاسية. أمتازت تلك الواحات بجمال أخاذ وطبيعة ساحرة وهواء نقي لوجود المزارع الصغيرة المحاطة بأشجار النخيل والكروم وقنوات عيون الماء الطبيعية. مع الوقت أستقر الناس في تلك الواحات فأصبحت مدن حديثة فشقت بها الطرق وبنيت البيوت والمدارس والمحال التجارية وتشكلت الإدارات الحكومية وتكونت البلديات لتنظيم وتقديم الخذمات للمواطنين بهذه المجتمعات المتكونة حديثة. هذه المدن حتى بعد تطورها أستمرت كمحطات عبور (كما كانت في السابق) ولكن بدلاً من ورود قوافل الأبل أصبحت يأتيها المسافرين والعابرين للمدن الأخرى بسياراتهم الخاصة أو بقوافل شاحنات النقل البضائع الكبيرة خلال سفرهم فأزدهرت في هذه المدن خذمات محطات الوقود وتغير الزيوت وشحوم السيارات وخذمات ورش الصيانة.

كل هذه الأنشطة البشرية الضرورية أفرزت كميات ضخمة من النفايات فكان من الضروري وجود طرق للتخلص منها، نفايات متنوعة عضوية منزلية ونفايات ورق ومطبوعات وبقايا حيوانات نافقة ولكن أكثر أنواع النفايات من حيث الكمية والخطورة كانت علب وحاويات الزيوت وشحوم السيارات وإطارات الشاحنات وغيرها من فلاتر الزيت وقطع الغيار المستهلكة بكثرة. هذه النفايات ملوثة بزيوت سامة ومواد كيميائية خطيرة لها إضرار كبيرة على البيئة والأحياء البرية، وتأثيراتها السامة أكثر على الإنسان إذا ما تسربت للمياه الجوفية عبر طبقات الأرض، والمعروف عن أحواض المياه الجوفية في جنوب ليبيا أنها لا تبتعد كثيراً في العمق عن سطح الأرض، وسكان الجنوب يعتمدون إعتماد كامل على المياه الجوفية فهي المصدر الوحيد للشرب والري وجميع الأنشطة الأخرى.

خلال السنين الماضية وبسبب أنعدام وجود سياسة وطنية موحدة وبرنامج ينظم إدارة النفايات الصلبة في المخططات العمرانية الحديثة على المدى القصير أو الطويل على مستوى الدولة الليبية، كان سبب في عدم وجود مخططات في البلديات بالجنوب الليبي لمذافن النفايات الصحية ولم يكن من ضمن أهتمام البلديات التي تدير هذه المدن البحث عن طرق سليمة للتخلص من النفايات فكانت دائما مشكلة النفايات في أخر سلم الأهتمامات، فتترك عملية التخلص من النفايات عادة لأهالي المدينة فيتم رمي النفايات بشكل عشوائي في أماكن متفرقة قريبة حول المدن وفي مداخلها وعلى جوانب الطرق فأصبحت تلك المدن الحديثة محاطة بالمكبات المفتوحة أو بتجمعات النفايات بطريقة سيئة أساءة لجمال تلك الواحات. فكثرت الحرائق في النفايات بسبب وجود سوائل كيميائية شديدة الأشتعال وأنتشرت منها الأبخرة السامة والروائح  الكريهة التي أحاطت بالمدن التي كانت تتمتع وتتميز في السابق بالهواء نقي والروائح الزكية، وقد لاحظت شخصياً خلال الزيارات التي قمت بها في تلك المناطق الجنوبية أنها أصبحت مشكلة عامة فتلاحظ المكبات المفتوحة للنفايات منتشرة بشكل واسع في العديد من مدن الجنوب الليبي، وأحيانا تجد أكثر من مكب نفايات حول بعض المدن الصغيرة.

في الصور المرافقة لهذه المقالة مثال لهذه المكبات المفتوحة وهو المكب المفتوح لمدينة أوباري أحد مدن الجنوب الليبي بمنطقة فزان، والجميع سيلاحظ الكميات الضخمة من علب زيوت السيارات والشاحنات وسيلاحظ حجم التلوث الناتج من هذه الزيوت وتناثر بقع الزيت والكيماويات في كل مكان، بالاظافة لكميات من إطارات السيارات الصغيرة والشاحنات الكبيرة، وسيلاحظ المتصفح كذلك بقايا حرائق التي تنشب بين الفترة والأخرى بسبب فعل فاعل أو بسبب حرارة الشمس القوية في فصل الصيف.

التخلص الآمن من النفايات الكيميائية الخطرة في مكب النفايات

المدافن التي يمكن أن تقبل النفايات الخطرة تختلف عن المدافن العامة (المكبات العامة للبلدية) أختلاف كبير جدا. مدافن النفايات الخطرة لها إجراءات خاصة بها في كل القوانين التي تنظم عمليات التخلص من النفايات الخطرة ويتحكم في ذلك عدة معايير متعارف عليها عالمياً مثل الموقع المناسب لجعله مدفن والتصميم الخاص وكيفية تجهيز الأرض والتشغيل وكيفية الإغلاق النهائي للمدفن بعد الأمتلاء. ويجب أن تحتوي الجهات المشغلة كالبلديات أو الشركات الخاصة بالمدافن النفايات الخطرة على تصاريح خاصة لمثل هذا العمل وأن تكون المتطلبات الدولة فيما يخص إعطى التصاريح الأكثر صرامة، فمن الضروري وجود أيضا مفتشين من أجهزة الدولة المعنية (مثلاً كالهيئة العامة للبيئة في ليبيا) لمراقبة المدافن ووجود الآبار الإضافية حول المدفن لرصد المياه الجوفية وأيضا فرض قيود على أنواع معينة من النفايات مثل النفايات المشعة.

يجب أن يتم تصميم مدافن النفايات الخطرة باستخدام طبقات من البلاستيك المقوى (بطانات مركبة مزدوجة) ونظام جمع السوائل المترشحة أعلاه من النفايات وبين البطانات، بالإضافة إلى نظام للكشف عن التسرب قادر على اكتشاف أي تسرب يحدث أو إزالته بين البطانات في أقرب وقت ممكن. كما يجب على مدافن النفايات الخطرة أن تتحكم في عمليات التشغيل بطريقة جيدة لمنع التعرية في المدفن وإدارتها بطريقة جيدة من أجل السيطرة على الروائح الناتجة.

بعض أنواع النفايات الخطرة ربما من غير المناسب ردمها وتحتاج إلى طرق معالجة أخرى مثل المعالجة الحرارية بالحرق في محارق بدرجات حرارة عالية للقضاء عليها بالكامل لخطورتها الكبيرة أو المعالجة الكيميائية بطرق المعادلة (neutralization) لتقليل من سميتها أو فيزيائة أو المعالجة البيولوجية في حالة بعض النفايات النفطية أو عبر عملية العزل الجيولوجي بأن تفن في الأرض في أماكن معزولة من الأرض بحيث لا تصل أضرار تلك النفايات إلى جوف الأرض. وعاة يتم اختبار النفايات لتحديد المكونات الخطرة الموجودة بحيث يمكن تطبيق العلاج المناسب والحماية من مشاكل عدم توافق النفايات.

وفي الختام، التخلص من النفايات الكيميائية عن طريق الردم يحتاج لمذافن خاصة مجهزة لهذا العمل ولا يمكن بحال من الأحوال أن نتعامل مع تلك النفايات الخطرة كتعاملنا مع النفيات المنزلية أو الزراعية فهذه الأنواع من النفايات لها خطورة كبيرة على الأفراد والمجتمعات على المدي البعيد والقصير.

أوباري: مدينة في وادي الحياة (وادي الاجال سابقا) جنوبي ليبيا بمنطقة فزان. يمتاز وادي الحياة بالتنوع السكاني والانسجام الكبير ويعتبر من أكثر الاودية الواقعة في جنوب سبها اكتظاظا بالسكان. أغلب سكانها من العرب والطوارق إضافة إلى عدد من عوائل التبو. جمال طبيعتها جعلها وجهة للسياح حيث تمتاز بالسياحة الصحراوية لاشتمالها على البحيرات المالحة في وسط الصحراء الكبرى أهمها وأشهرها بحيرة قبرعون المحاطة بتلال من الرمال العالية وبحيرة ام الماء وبحيرة ام الحصان البعض من تلك البحيرات قد جفت منها المياة.
الوسوم

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق