إدارة النفايات الطبية في ليبيا: دراسة ميدانية للواقع والتحديات، تقييم الأوضاع الراهنة واستشراف حلول عملية.
تمثل النفايات الناتجة عن الأنشطة الصحية أحد التحديات البيئية التي تواجه العديد من الدول، خاصة في ظل تزايد الوعي العالمي بالمخاطر المحتملة المرتبطة بسوء إدارتها. وقد أولت منظمة الصحة العالمية هذا الموضوع اهتماماً خاصاً منذ منتصف الثمانينيات، مشيرة إلى ضرورة التعامل مع النفايات الطبية كفئة خاصة تستوجب معالجة متميزة.
في ليبيا، ورغم صدور عدد من القوانين البيئية خلال العقود الماضية – كقانون البيئة رقم 7 لعام 1982 وقانون حماية الهواء لعام 1992 وقانون نقل المواد الخطرة لعام 2005 – إلا أن هذه التشريعات لم تتضمن بنوداً محددة تنظم إدارة النفايات الطبية بشكل خاص. وقد أدى غياب الإطار التشريعي المتخصص، إلى جانب ندرة المعلومات حول كميات وأنواع النفايات المنتجة وطرق معالجتها، إلى صعوبة تطوير استراتيجيات فعالة للتحكم في هذا الملف البيئي الهام.
في هذا السياق، تأتي الدراسة الميدانية التي أجراها باحثون من جامعة دويسبورغ- إيسن الألمانية، بالتعاون مع الجهات الصحية في ليبيا، لتقدم صورة تشخيصية للوضع الراهن، وتضع الأسس اللازمة لتطوير حلول عملية تتناسب مع الإمكانيات المتاحة. (مرجع تحت).
منطقة الدراسة وعينة البحث
تركزت الدراسة في ثلاث مدن رئيسية تقع في الجزء الشمالي الغربي من ليبيا، وهي طرابلس ومصراتة وسرت، وقد تم اختيار هذه المدن لتمثل مستويات مختلفة من حيث الكثافة السكانية وحجم الخدمات الصحية المقدمة. وتخدم هذه المدن مجتمعاً يبلغ عدد أفراده حوالي 1.9 مليون نسمة، أي ما يعادل 31% من إجمالي سكان ليبيا. تم اختيار 14 منشأة صحية، وقد روعي في هذا الاختيار تمثيل مختلف أنواع المرافق الصحية لتوفير صورة متكاملة عن واقع إدارة النفايات في القطاع الصحي الليبي.
أدوات جمع البيانات
اعتمدت الدراسة على ثلاث أدوات رئيسية لجمع المعلومات:
1. الاستبيانات: تم توزيع استبيانات مفصلة (مترجمة إلى اللغة العربية) على المدراء المسؤولين عن الشؤون البيئية في كل مستشفى، وكذلك على العاملين في مختلف الأقسام. وقد صممت هذه الاستبيانات وفقاً لتوصيات منظمة الصحة العالمية، مع إجراء تعديلات لتتناسب مع تنظيم المؤسسات الصحية في ليبيا.
2. المقابلات الشخصية: أجرى الباحثون مقابلات مع المدراء والعاملين على مختلف مستوياتهم، بهدف استكمال المعلومات الواردة في الاستبيانات والتحقق من دقتها.
3. المعاينات الميدانية: تم توزيع أكياس بلاستيكية ملونة في أقسام المستشفيات المختلفة، وجمعها في اليوم التالي لوزنها وتصنيف محتوياتها، مع تحليل عينة عشوائية نسبتها 20% من إجمالي النفايات المجمعة من كل منشأة.

نتائج الدراسة وتحليلها
كميات النفايات المنتجة ومعدلات توليدها
أظهرت نتائج الوزن والتحليل تبايناً في كميات النفايات المنتجة بين مختلف المنشآت الصحية، حيث تراوح معدل التوليد بين 0.8 كيلوغرام لكل مريض في اليوم (في العيادات والمراكز الريفية) و1.5 كيلوغرام (في المركز الطبي بطرابلس). وبلغ المتوسط العام 1.3 كيلوغرام لكل مريض يومياً.
يمكن تفسير التفاوت في المعدلات بعدة عوامل، منها: حجم المنشأة الصحية وعدد المرضى الذين تخدمهم، ومستوى التجهيزات الطبية المتوفرة، وموقع المنشأة ودرجة تطور الخدمات المقدمة، وطبيعة التخصصات الطبية المتوفرة (جراحية، باطنية، عيادات خارجية)، ووفقاً للدراسة، يقع متوسط معدل التوليد المسجل في ليبيا ضمن النطاق التقديري الذي وضعته منظمة الصحة العالمية لدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط (الذي يتراوح بين 1.3 و3 كيلوغرامات لكل مريض يومياً).
كشف التحليل المختبري للعينات عن التوزيع التالي للنفايات:
النفايات العامة (غير الخطرة)
72% من الإجمالي: مواد عضوية (بقايا طعام، فضلات): 38%، مواد بلاستيكية (زجاجات، عبوات، أكياس تغليف): 24%، ورق وكرتون: 20%، مواد أخرى: 18%. وقد لوحظ أن نسبة البلاستيك مرتفعة نسبياً مقارنة ببعض الدول، ويعزى ذلك إلى التوسع في استخدام المواد ذات الاستخدام الواحد في التغليف والتعبئة.
النفايات الخطرة – 28% من الإجمالي:
نفايات حادة (إبر، شفرات، أدوات جراحية): 26% من النفايات الخطرة، ونفايات مرضية (أنسجة، أعضاء، سوائل بيولوجية): النسبة المتبقية، ونفايات كيميائية وصيدلانية (أدوية، مواد مطهرة، معادن ثقيلة)
تقييم ممارسات الإدارة الميدانية
جمع النفايات وفصلها
تشير نتائج الاستبيانات والمعاينات الميدانية إلى أن عملية جمع النفايات تتم بواسطة شركات خاصة في جميع المستشفيات المشمولة بالدراسة. تستخدم الأكياس البلاستيكية السوداء بشكل شائع لتجميع جميع أنواع النفايات دون تمييز بين الخطرة والعامة، وتنقل هذه الأكياس باستخدام عربات غير مغطاة إلى حاويات التخزين المؤقت. وقد لوحظ وجود سياسة أساسية لإدارة النفايات في مستشفيين فقط (بنسبة 14%) من إجمالي العينة. وفي هذه الحالات، يتم جمع الإبر والأدوات الحادة في حاويات بلاستيكية مغلقة، بينما تجمع نفايات غرف العمليات في أكياس بلاستيكية قبل نقلها إلى المحارق القريبة.
التخزين المؤقت
أظهرت المعاينات الميدانية أن حاويات التخزين المؤقت في جميع المستشفيات كانت في حالة متدهورة. في ثمانية مستشفيات (57%)، وضعت الحاويات في مواقع قريبة من الشوارع الرئيسية أو على أرصفة الطرقات، وغالباً ما تكون غير مغطاة. وفي ستة مستشفيات (43%)، لم توجد أي منطقة مخصصة للتخزين المؤقت، بل كانت النفايات تتراكم في زوايا الغرف لحين نقلها خارج المنشأة.
معالجة النفايات
أفادت الدراسة بوجود محارق في ستة مستشفيات (43%) من العينة، لكن اثنين فقط منها كانا يعملان (بنسبة 14%). وقد لوحظت مشكلات تشغيلية متعددة في المحارق العاملة، منها: نقص في توفر العمالة المدربة على التشغيل والصيانة، وغياب أنظمة المراقبة الداخلية والخارجية لعملية الحرق، وعدم التحكم الدقيق في درجات حرارة التشغيل وارتفاع المداخن ومعدلات انبعاث الدخان
النقل خارج المستشفى
تقع مسؤولية نقل النفايات من المستشفيات إلى مواقع التخلص النهائي على عاتق البلديات، ويختلف تواتر النقل بين يومي وثلاث مرات أسبوعياً. وتقوم عمال البلديات بجمع النفايات من حاويات التخزين المؤقت ونقلها مع النفايات المنزلية العادية، باستخدام شاحنات وفي بعض الحالات جرارات مكشوفة تمر عبر المناطق السكنية.
التخلص النهائي
تتجه جميع المستشفيات إلى التخلص من نفاياتها في مكبات مكشوفة تقع خارج المدن، حيث تختلط النفايات الطبية بالنفايات المنزلية وتدفن معاً. وتتضمن الممارسات المتبعة في هذه المواقع: غياب الأسوار المانعة لدخول الحيوانات والأشخاص غير المصرح لهم، ودفن عشوائي دون مراعاة لطبيعة المواد المدفونة، قرب بعض هذه المواقع من المناطق الزراعية أو السكنية في بعض الأحيان، حرق النفايات أحياناً بشكل غير منظم
الكوادر البشرية والتدريب
أظهرت الدراسة أن نسبة كبيرة من العاملين لم تتلق تدريباً متخصصاً في إدارة النفايات الطبية، حيث بلغت هذه النسبة 85% من المدراء والعاملين في قطاع النظافة والبيئة. كما أشارت النتائج إلى أن 55% من الأطباء والممرضين ليس لديهم معرفة كافية ببروتوكولات التعامل مع النفايات الطبية والمخاطر المحتملة. وفي جانب النقل، أفاد 90% من عمال البلديات المسؤولين عن نقل النفايات بأنهم لم يتلقوا أي تحذير أو توعية بمخاطر النفايات الطبية. فيما يتعلق بمعدات الوقاية الشخصية، لوحظ استخدامها بشكل كامل في أربعة مستشفيات (30%)، بينما لم تستخدم أي معدات وقائية في خمسة مستشفيات (36%).
الجوانب التشريعية والإدارية
تشير الدراسة إلى غياب تام للوائح المنظمة لإدارة النفايات الطبية في جميع المستشفيات المشمولة بالتحقيق. كما لم تتوفر أي مراجع أو أدلة إرشادية حول هذا الموضوع في الوثائق الوظيفية للعاملين، ولم توجد إجراءات محددة لجمع النفايات ونقلها. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن هناك تقارير دورية أو سجلات توثق كميات النفايات أو طرق التخلص منها في أي من هذه المستشفيات.
مناقشة النتائج في السياقين المحلي والدولي
مقارنة مع معدلات التوليد العالمية
بمقارنة نتائج هذه الدراسة مع معدلات توليد النفايات في دول أخرى، نجد أن متوسط 1.3 كغ/مريض/يوم في ليبيا يقع في نطاق المعدلات المنخفضة نسبياً، حيث تتراوح المعدلات في دول مثل المملكة العربية السعودية (1.1 كغ)، وإيران (2.7 كغ)، والدول الأوروبية (بين 3.3 و4.4 كغ). ويعزى هذا التفاوت إلى اختلاف مستويات الدخل وأنماط الاستهلاك، إضافة إلى توفر تقنيات معالجة أكثر تقدماً في الدول الصناعية التي قد تزيد من حجم النفايات المعالجة. لكن من المهم الإشارة إلى أن انخفاض كمية النفايات لا يعني بالضرورة جودة أعلى في الإدارة، وإنما قد يعكس محدودية الخدمات أو ضعف التوثيق.
تقييم المخاطر المحتملة
بناءً على المعطيات الميدانية، يمكن تحديد مجموعة من المخاطر المرتبطة بالممارسات الحالية، ومنها:
– انتقال العدوى بين المرضى والزوار والعاملين نتيجة اختلاط النفايات الخطرة مع النفايات العامة وعدم استخدام الحاويات المغلقة
– التعرض للإصابات بالإبر والمحاقن الملوثة أثناء عمليات الجمع والنقل
– تلوث التربة والمياه الجوفية نتيجة التخلص في مكبات غير مهيأة
– انبعاث ملوثات هوائية من عمليات الحرق غير المنضبطة
– تعرض عمال النقل والبلديات لمخاطر صحية دون وعي كافٍ

العوامل المؤثرة في الوضع الراهن
يمكن تحديد عدد من العوامل التي تساهم في استمرار الوضع الحالي:
1. غياب الإطار التشريعي: عدم وجود قوانين ولوائح خاصة بالنفايات الطبية
2. محدودية المعلومات: نقص الدراسات والإحصائيات عن كميات وأنواع النفايات
3. ضعف التدريب: عدم تأهيل الكوادر البشرية للتعامل مع هذا النوع من النفايات
4. محدودية الموارد: عدم تخصيص ميزانيات كافية لأنظمة الإدارة والمعالجة
5. غياب الرقابة: عدم وجود جهات مختصة لمتابعة وتقييم الأداء
توصيات عملية لتطوير الوضع
استناداً إلى نتائج الدراسة وتحليلها، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات التي تأخذ في الاعتبار الإمكانيات المتاحة في ليبيا:
على المستوى التشريعي والتنظيمي:
– تطوير تشريعات ولوائح خاصة بإدارة النفايات الطبية، تستند إلى المعايير الدولية مع مراعاة الظروف المحلية
– تحديد الجهات المسؤولة عن الرقابة والتنفيذ على المستويات المحلية والوطنية
– إلزام المنشآت الصحية بتقديم تقارير دورية عن كميات النفايات وطرق التعامل معها
على مستوى التجهيزات والممارسات الميدانية:
– توفير حاويات مغلقة وملونة للفصل بين أنواع النفايات المختلفة عند المصدر
– إنشاء مناطق تخزين مؤقت آمنة ضمن المستشفيات، مزودة بوسائل العزل اللازمة
– تطوير نظام نقل متخصص للنفايات الخطرة، مع مراعاة معايير السلامة
– تأهيل المكبات القائمة أو إنشاء مكبات صحية مهيأة للنفايات الطبية
على مستوى التدريب والتوعية:
– تصميم برامج تدريبية للعاملين في جميع المستويات، تشمل المدراء والأطباء والممرضين وعمال النظافة والنقل
– تضمين مواضيع إدارة النفايات الطبية في مناهج الكليات الطبية والتمريضية
– تنظيم حملات توعوية للمجتمع حول طبيعة النفايات الطبية وسلامة التعامل معها
على مستوى تقنيات المعالجة:
– تقييم أداء المحارق القائمة وإدخال التحسينات اللازمة عليها
– استكشاف بدائل مناسبة للمعالجة، مثل التعقيم بالبخار أو الميكروويف، مع مراعاة:
– التكلفة التشغيلية المناسبة
– سهولة التشغيل والصيانة
– توفر قطع الغيار والمواد الاستهلاكية محلياً
– مراعاة الحلول اللامركزية للمناطق الريفية والنائية، إلى جانب المحارق المركزية في المدن الكبرى
على مستوى البحث والتطوير:
– إجراء المزيد من الدراسات لتقييم تأثير المكبات على البيئة في الظروف الصحراوية
– تطوير طرق معالجة مبتكرة تتناسب مع الموارد المتاحة في ليبيا
– إنشاء قاعدة بيانات وطنية لإدارة النفايات الطبية
خاتمة
تقدم هذه الدراسة صورة تشخيصية لواقع إدارة النفايات الطبية في ليبيا، مستندة إلى معطيات ميدانية تم جمعها من عينة متنوعة من المنشآت الصحية في ثلاث مدن رئيسية. وتشير النتائج إلى وجود فجوات متعددة على المستويات التشريعية والتنظيمية والتشغيلية والتدريبية، مما يستدعي وضع استراتيجية متكاملة لتحسين الأوضاع. إن تطوير إدارة النفايات الطبية في ليبيا يتطلب مقاربة تدريجية تراعي الأولويات والإمكانيات المتاحة، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال. ومن المهم إشراك جميع الأطراف المعنية في هذه العملية، بما في ذلك وزارة الصحة والهيئة العامة للبيئة والبلديات والمؤسسات الأكاديمية، لضمان استدامة التحسينات المنشودة.
تنزيل الورقة العلمية:
