أحداثالمخلفات الكيميائيةمنوعات

النفايات الإلكترونية في غوييو- الصين

E- Waste in Guiyu- China

ما بين وقت وأخر تخرج علينا الشركات الإلكترونية بالدول الغربية بتقنيات جديدة وموديلات حديثة من الهواتف الذكية وإجهزة الكمبيوتر وغيرها، وهذا هو أساس التنافس بين الشركات في العالم فيتم التخلص من النمادج والموديلات والأجهزة القديمة بأرسالها إلى مستودعات الخردة لإعادة التدوير وتفكيك تلك الأجهزة والاستفادة من قطع الغيار والمواد المهمة بها.

هذه العملية من تفكيك الأجهزة والأستفادة منها تعتبر مكلفة ماديا لرؤوس الأموال في الدول الغربية لأن العمالة المناط بها هذا العمل تتقاضي مرتبات عالية وإجراءات التأمين الصحي لهم ضرورية ومكلفة وكذلك الأجراءات البيئية صارمة داخل مصانع إعادة التدوير التي تكلف الكثير من حيت السلامة والصحة المهنية وغيرها.

تقوم الشركات بأختيار الطريق الأرخص والأسهل لهم بأرسال الأجهزة القديمة إلى البلدان الأقل نمو لإعادة تدويرها، دول لديها كثافة عمالية كبيرة ورخيصة ولا يطالبون بالتأمين الصحي ومعايير السلامة والصحة المهنية متواضعة في المصانع مع وجود قوانين بيئية متراخية لديهم.

من منتصف التسعينيات وحتى عام 2001، تشير التقديرات إلى أن حوالي 50 إلى 80٪ من الإلكترونيات التي تم جمعها لإعادة تدويرها في النصف الغربي من الولايات المتحدة يتم تصديرها لتفكيكها في الخارج، في الغالب إلى الصين وجنوب شرق آسيا. وحسب تقديرات وكالة حماية البيئة الأمريكية بأن فقط 15- 20% من النفايات الألكترونية المنتجة في أمريكا يتم إعادة تدويرها والباقي يذهب للردم أو إلى المحارق.

ماذا يقصد بالنفايات الإلكترونية؟ وماهي كمية إنتاجها عالمياً؟

النفايات الإلكترونية (Electronic waste or e-waste ) هي أجهزة إلكترونية لم تعد تستعمل ويراد التخلص منها عبر إعادة أستعمالها، أو إعادة تصنيعها، أو تفككيها أو الأستفادة منها وبيعها، أو التخلص النهائي منها. الأرقام التقديرية للنفايات الإلكترونية المنتجة في العالم ربما تصل إلى 50 مليون طن متري/السنة حسب تقديرات برنامج البيئة للأمم المتحدة (UNEP).

تنتج الولايات المتحدة لوحدها حوالي 3 مليون طن نفايات إلكترونية كل سنة وهي تعتبر المنتج الأكبر في العالم أم الترتيب الثاني فهو للصين بإنتاج 2.3 مليون طن حسب تقديرات سنة 2010. الولايات المتحدة الأمريكية تتحلص من حوالي 30 مليون جهاز كمبيوتر كل سنة وحوالي 100 مليون تلفون يتم التخلص منه كل سنة في أوروبا وهذه الكميات في تزايد مستمر لأن العديد من الدول دخلت صناعة الأجهزة  الألكترونية بقوة مما سينتج كميات ضخمة جدا من النفايات. 

الأحتياجات والمطالبات العالمية زادت جدا على الأجهزة الإلكترونية الجديدة والأكثر تطورا فمثلا شركة آبل الأمريكية (Apple) باعت لوحدها في سنة 2013 أكثر من 796 مليون جهاز من مجموعة أجهزة الأي (iPod, iPhone, iPad). حاليا زاد من حجم المشكلة أن معظم الشركات الحديثة تصنع أجهزة لا تبقى لفترات طويلة لهذا فالمستهلكين دائما في طلب الأجهزة الجديدة، وهذا ما تفعله دائما، وهذه الحركة الأقتصادية العالمية القوية والسريعة تنتج عنها كميات ضخمة من النفايات الإلكترونية.

عندما لا يتم تفكيك الإجهزة الكترونية بشكل صحيح أو لا يتم التخلص منها بالطريقة الصحيحة ينتج عنها كميات هائلة من النفايات (e-Waste). وهذا ما يحدث في منطقة غوييو (Guiyu) للخردة الألكترونية في الصين فكميات ضخمة من المواد الألكترونية السامة موجودة على ضفاف النهر محتوية على معادن ثقيلة، مثل الكادميوم والنحاس والرصاص وكذلك مركبات الإثيرات متعددة البروم ثنائية الفينيل، والعديد من المركبات العضوية الثابتة، والبعض من الملوثات تسربت إلى إمدادات المياه المحلية. وحسب نتائج التحاليل التي أخذتها شبكة عمل بازل (Basel Action Network ) سنة 2001 بأن مستويات الرصاص في النهر المحلي (Lianjiang) وصلت إلى أعلى بـ 190 مرة أكثر من معايير السلامة التي وضعتها منظمة الصحة العالمية، فأصبحت المياه غير صالحة للشرب بعد أن بدأت سموم النفايات الإلكترونية تصل الى المياه الجوفية في غوييو ونتيجة لذلك أصبح سكان القرى المحيطة ينقلون الماء عبر شاحنات مخصصة فزادت التكلفة المالية عليهم، التي لم يستطيع البعض توفيرها، لهذا الكثير منهم لا يزالون يستعملون المياه الملوثة الجوفية.

يقوم العمال في غوييو بدون ملابس واقية بحرق اللدائن ولوحات الدوائر الكهربائية باستمرار من أجهزة الكمبيوتر القديم، كما أنهم يقومون بصب الحمض على أجزاء ألكترونية لأستخراج الفضة والذهب كما يقومون بسحق الكاثود من شاشات الكمبيوتر القديم لإزالة المعادن الثمينة مثل الرصاص وغيره. المعروف أن هذه المواد الكيميائية والسموم الموجودة في الأجهزة القديمة تتراكم في الأنسجة الدهنية للجسم مسببة مشاكل صحية للعمال وأسرهم. وحسب احد التقرير الحديثة بأن 80% من الأطفال في غوييو يعانون من تسمم الرصاص بنسب عالية جداً.

كان الجزء الأكبر من منطقة غوييو قبل دخول النفايات الألكترونية منطقة لصغار المزارعين تستند حياتهم على الزراعة فقط وقد تم التخلي عن الزراعة للحصول على عمل أكثر ربحا من خردة الألكترونات، فسكان المنطقة فقراء لم يكن لهم تأثير قوي لوقف النفايات الألكترونية من القدوم الى منطقتهم.

في السنوات الأخيرة ظهرت مناطق كثيرة على مستوى العالم شبيه لمنطقة غوييو الصينية شغلها الأساسي التعامل مع النفايات الألكترونية. دول حيث الكثافة السكانية العالية والعمالة الرخيصة الفقيرة ومعايير السلامة والصحة البيئية متراخية، أحياء ومناطق كاملة في الهند وغانا ونيجيريا ومصر والبرازيل وفيتنام وتايلند، ترسل إليها كميات ضخمة من النفايات الإلكترونية من الدول الصناعية الكبرى بحجة تفكيك الأجهزة والأستفادة منها للطرفين ولكن الأستفادة الكبرى هي للدولة الصناعية المصدرة لهذه النفايات الخطرة، والخاسر الأكبر هي الدول التي أصبحت بسبب فقرها مكب نفايات الدول الصناعية الكبرى.

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق