أحداثالمخلفات الطبية المعديةمنوعات

غسل ودفن والتعامل مع من مات بسبب فيروس الكورونا المستجد”كوفيد-19″

Ritual washing, shrouding, burying and dealing with the body of a deceased due to the noval coronavirus “Covid-19”

خلال هذه الجائحة وفي عدة مناسبات حدثت معي نقاشات بخصوص كيفية التعامل مع جثامين المصابين بفيروس الكورونا المستجد “كوفيد-19″، وأذكر منها زميل فاضل سألني هل يمكن لجثة مريض مات بسبب الكورونا المستجد “كوفيد-19” أن تسبب العدوى من خلال تجهيز الجثمان للدفن عند الغسل والتكفين، وهل يجب علينا أخذ الاحتياطات القياسية في ذلك؟.

أيضا حدث نقاش أخر أمامي كان لطبيب مسئول عن برنامج مكافحة العدوى بمركز عزل والحجر الصحي لمرضى المصابين بفيروس الكورونا المستجد في أحد المدن الغربية الليبية يسأل عن كيفية غسيل وتكفين امرأة عجوز توفت في ذلك المركز حينها بسبب إصابتها بفيروس الكورونا وكانت تلك هي حالة الوفاة الأولى لديهم بالمركز، وكان يسأل كثيراُ هل يمكن استعمال سوائل المبيض المنزلي صوديوم هيبوكلورايت (Sodium Hypochlorite Household Bleach) في ذلك، وقد أظهرت عدة تساؤلات قالها بأنه غير ملم ومطلع كفاية ببرامج مكافحة العدوى لفيروس الكورونا المستجد الصادرة من منظمة الصحة العالمية. وقد أخبرته حينها بأن هناك توصيات من منظمة الصحة العالمية بخصوص الدفن يمكن الرجوع إليها حتى وأن لم تكن لدى لجنة مكافحة جائحة فيروس الكورونا الليبية تلك البروتوكولات. فيمكن لك الاستعانة بها فهي المصدر الرئيسي لكل المعلومات بخصوص مكافحة فيروس الكورونا المستجد “كوفيد-19”.

غالبية الأمراض الميكروبية المعدية لا تسبب جثامين المرضى إصابة وعدوى منها لمن يقوم بغسل وتكفين الجثة، ولكن بعض الأمراض الميكروبية المعدية يمكن لها التسبب في العدوى ويمكن لها نشر المرض حتى بعد وفاة المريض منها على سبيل الذكر مرض فيروس الإيبولا النزفي والذي ذكرته منظمة الصحة العالمية في العديد من تقاريرها بأن حوالي 20% من الإصابات بفيروس مرض الإيبولا وصلت إلى الأشخاص المحيطين بالمتوفي بسبب إجراءات الغسل وتكفين المتوفي في دول التي أجتاحها الوباء في غرب أفريقيا مثل سيراليون وغيرها خلال سنة 2014.

وكذلك يمكن لبعض الأمراض الأخرى مثل مرض فيروس ماربورغ ومرض المعوي الخطير ببكتيريا الكوليرا سريع الانتشار التسبب في نقل العدوى خلال إجراءات الغسل والتكفين، أيضا يمكن الأشخاص المصابين بالإنفلونزا الجائحة أن يسببوا في نقل العدوى (مثل أنفلونزا الطيور H5N1)، إذا لم یتم التعامل معها على النحو السلیم أثناء إجراءات التشریح بسبب وجود إفرازات وسوائل تخرج من رئة المتوفي.

كان لانتشار جائحة فيروس الكورونا المستجد “كوفيد-19” خلال هذه السنة 2020، وهو مرض تنفسي حاد يصيب بشكل رئيسي الرئتين في حوالي 216 دولة في العالم وإصابته لحوالي أكثر من 25 مليون شخص وتسببه في وفيات وصلت إلى أكثر من 850 ألف وفاة (حتى تاريخ كتابة هذه المقالة) تأثيراته القوية في العالم من عدة نواحي كالتأثيرات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وحتى تأثيراتها الدينية.

حسب البينات المتوفرة حاليا ینتقل الفیروس المسبّب لمرض كوفید- 19 بین الناس عن طريق القطيرات (Droplets) والأدوات المعدية (Infectious materials) والمخالطة اللصيقة (Direct Contact)، بالإضافة إلى إمكانیة انتقاله عن طریق البراز. وكما ذكرت تقارير منظمة الصحة العالمية ولأنه فیروس جدید لا یزال مصدره وتطوره غیر معروفین بشكل واضح تماما، ً فقد یلزم توخي المزید من الحذر إلى أن یتوافر المزید من المعلومات بهذا الشأن.

كان لذعر الذي سببه سرعة انتشار جائحة المرض بين دول العالم والضجة الإعلامية المصاحبة له تأثير كبير في وجود مفاهيم خاطئة كثيرة حول المرض في بداية انتشاره، منها طرق التخلص من جثث المرضى، من تلك المفاهيم المغلوطة الشائعة أن الأشخاص الذین یتوفون بمرض معدٍ ینبغي إحراق جثثهم، ولكن ذلك لیس صحیحاً وإحراق الجثث ھو خیار یتعلق بالعادات والطقوس والموارد المتاحة في تلك الدول.

بصفة عامة وخلال هذه الجائحة العالمية، ظهرت عدة صور في العديد من وسائل الأعلام عن سوء التعامل مع جثامين المرضى المصابين، عن أشخاص وافتهم المنية في الشارع ولم يجدوا من ينقلهم خوفاً من الإصابة، أو مرضى ومريضات ماتوا في دور العجزة والمسنين لمدة يومان أو ثلاثة ولم يتم نقلهم بسبب الازدحام وكثرة الحالات أو بسبب حضر التجوال، كما ظهرت في وسائل الأعلام العديد من المستشفيات من كثرة حالات الوفيات قد استعملوا الآلات الرافعة الميكانيكية لنقل الجثث وتحميلها على الشاحنات كما يفعلون مع البضائع بطريقة استهجنها الجميع عند رؤيتها في وسائل الأعلام، وهذا حدث في دول لديها امكانيات مالية كبيرة جدا. ناهيك عن تصرفات بعض الدول في التخلص من جثث المصابين سواء بالحرق أو الردم بدون إعلام أهليهم وغيرها بسبب الذعر الذي سببه المرض.

لأهمية هذا الأمر أصدرت منظمة الصحة العالمية في 24 مارس 2020 مجموعة إرشادات مبدئية موجه إلى جميع المعنيين بتجهيز جثث الأشخاص المتوفين بسبب إصابة مؤكدة أو مشتبه فيها بفيروس الكورونا المستجد كوفيد-19، أيضا موجه إلى مدراء المرافق الصحية ومرافق الدفن والسلطات الدينية وسلطات الصحية وأسر المتوفين.

في هذه الارشادات ذكرت منظمة الصحة العالمية عدة اعتبارات رئيسية نختصر البعض منها في النقاط التالية:

  • حتى يومنا هذا، وحسب تقارير منظمة الصحة العالمية لا توجد أي بیّنة على إصابة أشخاص بالعدوى نتیجة التعرض لجثة شخص توفي بسبب الإصابة بكوفید- 19، ولكن احتمالية الإصابة واردة في بعض الحالات التي بها إفرازات تنفسية كثيرة وفي حالة سوء التعامل والتجهيز مع الجثة، وفي حالة عدم ارتداء الملابس الواقية الشخصية مثل القفازات والكمامات لاحتمال حدوث تناثر للسوائل أو الملامسة اللصيقة للجثة.
  • ینبغي إیلاء الأولویة القصوى لسلامة وعافیة أي شخص یقوم بتجهيز الجثث. وقبل الشروع في تجهيز الجثة، ینبغي أن یضمن القائمون على ذلك تنظیف الیدین على النحو اللازم وتوفر معدات الحمایة الشخصیة الضروریة.
  • ینبغي الحرص طوال الوقت على صون واحترام كرامة المیت وتقالیده وطقوسه الدینیة ورغبات أسرته؛
  • ینبغي تفادي العجلة في التخلص من جثة المیت بسبب كوفید-؛19
  • ینبغي أن تتعامل السلطات مع كل حالة على حدة، وأن توازن بین حقوق أسرة المیت والحاجة إلى تحري أسباب الوفاة ومخاطر التعرض للعدوى.

كما شرحت الارشادات عدة نقاط رئيسية بالتفصيل مثل:

  1. تحضیر الجثة وتغليفها لنقلها من غرفة المریض إلى وحدة التشریح أو مستودع الجثث أو المقبرة.
  2. تجهيز الميت في دار الموتى (دار الجنائز).
  3. إجراءات عملية التشريح بما في ذلك الضوابط الهندسية والبيئية.
  4. الإجراءات في مراسم الدفن سواء التي تقوم بها الأسرة في حالة الوفاة في المنزل أو الإجراءات في مراسم الدفن العامة.

كل تلك الإجراءات في الارشادات اعتمدت على حماية من يشرف ويقوم بعملية غسل وتكفين ونقل المتوفي من حيث التقليل من عملية تناثر الإفرازات الجثة وأحتوى الإفرازات وسوائل الخارجة من الجثة وأيضا ارتداء الملابس الواقية الشخصية والقفازات واستعمال واقيات الوجه. ايضا متى تستعمل حقيبة الجثة ومتى لا يتم استعمالها. ايضا الارشادات ذكرت كيفية الاهتمام بتنظيف المكان مع الضوابط البيئة خلال عملية تشريح الجثة إذا كان ضروري وغيرها من النصائح المهمة للتعامل الآمن مع الجثة المتوفي بمرض فيروس الكورونا المستجد كوفيد-19 من قبل أفراد العائلة والعاملين في نقل ودفن الجثة.

ما هو رأي علماء المسلمين في غسل وتكفين ودفن من مات بسبب فيروس كورونا “كوفيد – 19”

سأذكر لكم هنا فتوتين صدرت خلال جائحة فيروس الكورونا المستجد أحدها من علماء الأزهر الشريف والأخرى من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين:

أولاً: الفتوى الصادرة عن الأزهر الشريف:

أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن «الأصل فيمن مات من المسلمين أن يُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه صلاة الجِنازة، ولكن في زمن انتشار الأوبئة وخوف العدوى التي تُثبِت الجهات الطِّبيَّة المختصَّة أنَّها تنتقل بمخالطة المَيت المُصَاب، فإن كان هناك فريق متخصص في تغسيل وتكفين ودفن أمثال هذه الحالات يَعرِف إجراءات الوقاية وأحكام الشَّريعة الخاصة بهذه الأمور، فتوليه أمر الغُسل والتَّكفين خيرٌ وأولى».

وذكر أيضا البيان «وإنْ لم يَحدُث وسُلِّم المتوفَّى لأهله دون غُسلٍ وتكفين، فعندئذٍ يُكتَفَى بصبِّ الماء عليه وإمراره فقط بأي طريقة كانت دون تدليكه، مع وجوب أخذ كل التَّدابير الاحترازية لمنع انتقال المرض إلى المُغسِّل، من تعقيم الحُجرة، وارتداء المُغسِّل بدلة وقائية، وفرض كل سُبُل الوقاية من قِبَل أهل الاختصاص في ذلك قبل القيام بإجراء الغُسل؛ منعًا من إلحاق الأذى بمن يباشر ذلك».

أضاف: «وإن تعذَّر صبُّ الماء خشية انتقال العدوى عن طريقِ الماء المصبوب على جسم الميِّت يُمِّمَ كَتَيَمُّمِهِ للصَّلاة. وإذا تعذَّر إيصال الماء إليه، أو تعذَّر مسُّه لأجل التيمم ولو بخرقة تُوصِل الغبار مباشرة على وجهه ويديه عند تفشي الوباء، وسرعة انتشار العدوى، وكثرة المصابين؛ رُفعَ الحرجُ ودُفن دون غسل أو تيمم؛ فالحفاظ على الحَيِّ أَولَى من المَيِّت؛ ولكن لا يُنتَقل مِن الأَصْل إلى صُورة أخفّ -مما ذُكر- إلا بضرورة مانعةٍ مِن فِعْل الأَصل، كلُّ حالةٍ بحسبها».

تابع البيان: «وإن كان يُخشَى من نزول سوائل من جُثَّته؛ فمن الضَّروري إحاطة الكفن بغطاءٍ مُحكم لا يَسمح بتسرُّب السَّوائل منه. وكلُّ ما سبق يتَّفق ومقاصد الشَّريعة العُليا، وكذلك تدلُّ عليه الأدلَّة الشَّرعيَّة المُعتبرة؛ إذ الضَّرورات تبيح المحظورات، والضَّرورة تُقدَّر بقدرها. نسأل الله سبحانه أن يرفع عنا الوباء والبلاء بجاه قوله سبحانه: {رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}، وأن يرحم مَن مات به مُحتَسِبًا شهيدًا، ويحفظنا والعالمين من كلِّ ضُرٍ سَخِيم؛ إنَّه سبحانه بَرٌّ كريم، رحمنٌ رَحِيم».

ثانياً: الفتوى الصادرة عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

فإنّ الشريعة الإسلاميّة قائمة على تكريم الإنسان حيًّا وميتًا، ومن مظاهر هذا التكريم له ميتا؛ غسله وتكفينه وتشييع جنازته ودفنه والصلاة عليه، وقد جعله الشارع الحكيم من الفروض الكفائية.

و تطبيق هذا الحكم الشرعي في هذه المسألة وفي غيرها قد تختلف في ظروف غير طبيعيّة واستثنائيّة كلّما ترتب على ممارسة الفعل ضرر أو أذى، أو مفسدة أثبته أهل الاختصاص، وفي ضوء قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة البقرة: 286]، وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [سورة الطلاق: 7]، وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن: 16]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ” (صحيح البخاري،باب الاقتداء، ح7288)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ” (سنن ابن ماجه)، وفي ضوء تأكيد الشريعة تحقيق المقاصد الضروريّة، وهي هنا مقصد حماية أنفس القائمين بالفرض الكفائي، وهي حق للجماعة في الوقت نفسه، وتقديمها على غيرها من المقاصد الحاجية والتحسينيّة كالمقصد المتعلق بمصلحة تغسيل الميت وكفنه وتشييعه ونحو ذلك.

وعليه، نقول وبالله التوفيق: إنّ الميت المصاب بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) يُغسل بالتنسيق مع الجهات المعنية والمسؤولة عن الاحتراز والحماية من هذا الوباء، فإذا أمكن تغسيله بما لا ينقل العدوى فقد وجب غسله، وإن تعذر ذلك فيلجأ حينئذ للتيمم بدلًا من الغسل، فإن تعذر التيمم أيضًا تُرك غسله وسقطت المطالبة به شرعًا كما في بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1/ 226) وما بعدها، وروضة الطالبين وعمدة المفتين (2/98) وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات (1/ 344(

وعلى الجهات المسؤولة إتمام إجراءات الدفن، ولأهل الميت -إذا سمح بذلك الفريق المختص بإجراءات الدفن- المشاركة في مراسم الدفن وفق النُّظم واللوائح التي تنظم تلك المراسم من حيث التقيد والالتزام بعدد المشاركين، وإجراءات السلامة المتخذة، ومن برّ الأبناء بوالدهم ومن حقّه عليهم أن يقوموا بواجب التشييع إذا أمن الضرر.

وبالنسبة إلى الصلاة عليه، فإذا أمكن الصلاة عليه قبل دفنه ولو من شخص واحد فيصلّى عليه، وبصلاته عليه يتحقّق الواجب المطلوب، وإلّا يصلّى عليه بعد دفنه في البيت، أو في أي مكان آخر صلاة الغائب شرط الالتزام بإجراءات وتدابير السلامة والأمان. والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم . والحمد لله رب العالمين. لجنة الفقه والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

وفي الختام، هذه الإرشادات والتوصيات التي ذكرت الهدف والغرض منها الحد من إصابة العاملين أو أفراد الأسرة والقيمين على عملية الغسل والتكيف وإجراءات الدفن، نعم إلى حد الأن لم يتم أثبات حالة إصابة واحدة بفيروس الكورونا المستجد كوفيد-19 من خلال إجراءات الغسل والتكفين والدفن، ولكن إجراءات الوقاية والتحكم في العدوى خلال التعامل مع الجثمان من مات بفيروس الكورونا المستجد كوفيد-19 يجب إتباعها بكل دقة وهذا ما نصت عليه وأكدته أيضا الفتاوي الإسلامية الصريحة الصادرة من السلطات الدينية.

المراجع

الوقایة من العدوى ومكافحتها في الإدارة السليمة لجثث الموتى في سیاق جائحة كوفید-19. إرشادات مبدئیة. آذار/مار س 2020

https://www.who.int/emergencies/diseases/novel-coronavirus-2019

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق