إدارة النفايات الرعاية الصحيةالمخلفات الصيدلانيةالمخلفات الطبية الباثولوجيةالمخلفات الطبية البيطريةالمخلفات الطبية الحادةالمخلفات الطبية المعديةالمخلفات الكيميائيةمعالجة النفايات الطبية

مراكز علاج السل: التحدي الكبير في إدارة المخلفات الطبية

كل ثانية واحدة هناك شخص واحد في العالم يصاب بعصيات بكتيريا السل (Mycobacterium tuberculosis)، في سنة 2016 قدرت منظمة الصحة العالمية أعداد الإصابات بهذا الميكروب الخطير بحوالي 10.4 مليون إصابة أدت إلى 1.7 مليون وفاة (منهم 0.4 مليون مصاب بمرض الإيدز). وحوالي 95% من تلك الوفيات في دول العالم الثالث وأكثر من نصف تلك الوفيات تحدث في قارة أسيا.

مرض السل (Tuberculosis, TB) مرض معدي تسببه عصيات بكتيريا السل التي تنتشر عن طريق الهواء عندما يعطس أو يسعل المريض المصاب ويستنشقه الأشخاص المحيطين بالمريض. ولا تحتاج الإصابة به إلا كمية بسيطة من الميكروب ليحدث المرض (جرعة العدوى يمكن أن تكون حتى بـ 10 عصيات بكتيرية فقط).

يميل ميكروب السل إلى النمو ببطء شديد كما يستطيع العيش في الإنسان المصاب بدون أن يحدث مرض (Latent TB) لفترة طويلة جدا، بعض الإحصائيات تشير إلى أن ثلث سكان العالم مصابين بمرض السل الكامن بدون ظهور أعراض على المصابين. يعتبر هذا المرض من الأمراض المزمنة والتي يتطلب علاجه فترة طويلة جدا من العناية مع أخذ عدة أنواع من الأدوية لمدة 6- 12 شهراً.

خلال العقود القريبة الماضية ترافق هذا المرض القاتل مع وباء الإيدز الخطير الذي أنتشر في معظم قارات العالم، فضعف المناعة لدى المصابين بمرض الإيدز تعتبر بيئة مناسبة للإصابة بميكروبات السل، وهناك إحتمال 20- 30 مرة أن يصاب مريض الإيدز بالسل النشط (Active TB). حالياً يعتبر مرض السل هو السبب الأول في العالم في وفاة مرضى الإيدز (سنة 2016 حوالي 40% من الوفيات في مرض الإيدز كانت بسبب مرض السل). والعكس صحيح فالمرضى المصابين بعدوى السل الكامن (Inactive, Latent TB infection) تعتبر الإصابة بفيروس فقد المناعة عامل محفز لتنشيط المرض وتحفيزه.

مرض السل (TB): المرض القديم والجديد

مرض السل مرض قديم جدا بقدم الحضارات الإنسانية فقد وجد البٌحاث علامات لإصابة بالسل في عمود فقري لمومياء مصرية ترجع إلى 3000 سنة قبل الميلاد. يصيب المرض الإنسان والحيوان في الجهاز التنفسي (Pulmonary TB) والجهاز البولي (Renal TB) وقد يصيب أيضا باقي الجسم (Extrapulmonary TB)، وقد تم إكتشافه من قبل العالم روبرت كوخ في سنة 1884، ولخطورة الميكروب والمرض أصبح إعطى اللقاحات (لقاح BCG) ضده إجباري في بعض الدول.

ولكن في السنوات الأخيرة طورت بعض سلالات الميكروب مقاومة ضذ العديد من المضادات الحيوية (Multidrug-resistant Tuberculosis, MDR TB) التي تعتبر حالياً من ضمن المخاطر البيولوجية الجديدة وتهديد كبير للصحة العامة في كل دول العالم بسبب شدة إمراضيتها وصعوبة علاجها وتكلفتها العلاجية المالية الكبيرة، فالأدوية القياسية القديمة لم تعد تستطيع القضاء على الميكروب والشفاء من المرض كما كانت تفعل مع السلالات القديمة، أما العلاج بالأدوية الحديثة لسلالات الجديدة فله آثار جانبية كبيرة للمريض بسبب السمية العالية وأقل تأثيراً مع تكلفته المالية العالية والتي لا يستطيع المريض في دول العالم الثالث تغطيتها.

حالات ظهور السلالات الجديدة لميكروب السل المقاومة للعديد من المضادات الحيوية في العالم سنة 2012

صمود بكتيريا السل في البيئة المحيطة

يعتبر أنشاء مراكز متخصصة لعلاج مرض السل وتطبيق برنامج التحكم في العدوى (Infection Control) بدقة من التحديات الكبيرة التي تواجه القائمين على المؤسسات الصحية في دول العالم بسبب خطورة المرض وقوة بقاء الميكروب حي في البيئة المحيطة وسرعة وسهولة أنتشاره عبر الهواء وصعوبة القضاء عليه بالمطهرات العادية وصموده ضد العديد من المعالجات الكيميائية والفيزيائية.

تحتوي بكتيريا السل على طبقة ذهنية خارجية بخلاف البكتيريا الممرضة الأخرى وهذه إحدى أسباب صمودها ضد بعض المطهرات وعمليات التعقيم والأدوية وحتى ضد عملية البلعمة (Phagocytosis) التي تحدت بواسطة الخلايا المناعية البالعة (Macrophages) في الجسم.

يمكن لميكروب السل البقاء على قيد الحياة لفترات طويلة من الزمن في الهواء وعلى مختلف المناطق السطحية، أيضا وجد أن 28 في المئة من ميكروبات السل تبقى حية في غرفة بعد تسع ساعات، ويمكن لميكروبات السل أن تبقى حية إلى ما يصل إلى 45 يوما على الملابس، 70 يوما في السجاد، 90 إلى 120 يوما في الغبار، ما يقرب من 105 يوما على ورق الكتب، وما يقرب من ستة إلى ثمانية أشهر في البلغم.

المخاطر الصحية للعاملين بمراكز علاج السل

إصابة العاملين بمراكز علاج السل نتيجة تعاملهم مع المرضي ونفاياتهم ليست غريبة فقد ذكرت دراسة علمية أشرف عليها المركز الأمريكي لمنع والتحكم في الأمراض (CDC) سنة 2000 حدوث إصابة بميكروب السل لثلاث عمال بمحطة معالجة نفايات طبية في ولاية واشنطن الأمريكية نتيجة تعاملهم مع المخلفات الطبية غير المعالجة بسبب ضعف التقنيات المتاحة ووسائل الوقاية الشخصية غير الملائمة.

هولاء العمال لم يتعرضوا في السابق لمصدر معروف لمرض السل، وقد عُزل منهم الميكروب وتم دراسته وتوصلوا لعدة توصيات بخصوص ذلك منها أن المصدر الأول والمحتمل للعدوى لهولاء العمال هو تعرضهم للميكروبات حية بسبب تعاملهم مع المخلفات الطبية الغير المعالجة قبل عملية وصولها للمحطة للتخلص النهائي منها، ووصى المركز على ضرورة المعالجة المبدئية للمخلفات الطبية في مكان ومصدر إنتاجها قبل نقلها للحرق أو لعملية الردم الصحي، وخاصة في معامل التحاليل الطبية التي تتعامل مع أطباق والمزارع البكتيرية بمعالجتها بواسطة الأوتوكليف (الحرارة الرطبة والضغط)، وكذلك وصى المركز على أهمية تدريب العاملين في مراكز علاج السل تدريباً جيدا على وسائل الوقاية الشخصية وتحضيرهم وتأهيلهم لتعامل مع مصادر المرض.

وقاية العاملين في مراكز علاج السل من عمال النظافة في الأقسام العلاجية وعمال جمع النفايات ومعالجتها أمر ضروري وتبداء بإعطاءهم لقاحات البي سي جي (Bacillus Calmette-Guerin, BCG) التي لا زالت تعتبر من ضمن أفضل السبل لمنع حدوث الإصابات بالميكروب (وخاصة السلالات القديمة). كما يجب منع العمال من لديهم ضعف في أجهزتهم المناعية (Immunocompromised) بطريقة أو أخرى من العمل مع النفايات الطبية أو العمل في الأقسام العلاجية مع المرضى لاحتمال إصابتهم بسهولة بميكروب المرض.

أنواع النفايات الطبية التي تنتج من مراكز علاج السل

ينتج عن مريض السل العديد من أنواع المخلفات الطبية وهي شديدة العدوى لأحتوائها على ميكروبات السل الذي تنتقل بالهواء وتستطيع الصمود لمدد طويلة إذا لم تتم معالجتها بالطرق السليمة والتخلص النهائي منها بالسبل الصحيحة كالردم أو الحرق، وهي كالتالي:

المخلفات الطبية المعدية (النفايات الشخصية للمريض):

وهي النفايات الناتجة من المريض شخصياً مثل بقايا المناديل الورقية الملوثة بالبصاق والبلغم، والكممات الأحادية الأستعمال الملوثة أو غير الملوثة والمستعملة من قبل المريض والمرافق له أو حتى من قبل الزوار (بعض المراكز في بعض الدول تفرض على الزوار أرتداء كممات خلال فترة الزيارة)، قطن وشاش وخرق وأقمشة يستعملها المريض لمسح اللعاب أو البلغم أو إفرازات جسمه الأخرى، وايضا أغطية الوسائد وفراش المريض وخاصة لبعض الحالات المستعصية والتي أستفحل بها المرض، حفاظات الأطفال المصابين وحفاظات والفوط الصحية الشخصية للنساء المصابات بالسل البولي، ايضا المخلفات الغذائية الناتجة من المريض شخصياً مثل علب المشروبات وقناني الماء والأكواب الورقية والبلاستيكية ذات الأستعمال الأحادي والتي ربما تلوثت بسوائل المريض ولعابه.

المخلفات الطبية المعدية (النفايات الناتجة عن تشخيص المرض):

إحدى أنواع بكتيريا السل في مزرعة Lowenstein Jensen medium

مسحات وعينات المريض لغرض التحاليل الطبية كعينات البلغم لمرض السل الرئوي (Pulmonary Tuberculosis) وعينات تحليل البول لسل الجهاز البولي (Renal Tuberculosis) وعينات الدم المريض، وأطباق المزارع الخاصة بالميكروب (Lowenstein Jensen medium) المحتوية على كميات ضخمة ومركزة من الميكروبات الحية، القفازات والملابس الوقاية الشخصية أحادية الأستعمال التي أستعملتها الأطقم الطبية ويراد التخلص منها، فلاتر الهواء الناتجة من حجرة الزرع والعزل الخاصة بالتعامل مع المزارع البكتيرية (The Laboratory Fume Hood, Biological Safety Cabinet ).

المخلفات الطبية الحادة:

الإبر والحقن المستخدمة لأعطى الدواء وأخذ عينات الدم، التغذية الوريدية، الشرائح الزجاجية لعينات البصاق والبلغم (تحليل الصبغة الخاص بالميكروب، Ziehl–Neelsen stain)، والشرائح الزجاجية لعينات البلغم للكشف عن بكتيريا السل في معمل الأحياء الدقيقة، المشارط وكل الأدوات الحادة المراد التخلص منها وأستعملت مع المريض.

المخلفات الطبية الكيميائية:

بقايا السوائل الكيميائية التي تستخدم في تطهير الأسطح والعناية بالمريض، بقايا كيمياويات المستخدمة في معمل التحليل الطبي بمركز علاج السل.

المخلفات الطبية الصيدلانية:

وهي بقايا الأدوية والمضادات الحيوية التي استخدمت في علاج المريض وبقايا صناديق التغليف.

المخلفات الطبية الباثولوجية:

وهي بقايا أنسجة المريض وبقايا العينات المرضى المرسلة لقسم الباثولوجي لتحاليل، ونسبتها قليلة بالمقارنة بالأنواع الأخرى من النفايات.

إدارة المخلفات الطبية بمراكز علاج مرض السل

أسُس إدارة المخلفات الطبية في مراكز علاج مرض السل لا تختلف كثيراً على الأسُس في المراكز الطبية الأخرى من حيث فرز وجمع ونقل والمعالجة المبدائية والنهائية للمخلفات الطبية مع تطبيق العاملين لكل الأجراءات والأحتياطات القياسية للتحكم في العدوى (Standard Infection Control Precautions) عند تعاملهم من النفايات، ولكن بسبب خطورة المرض وسهولة أنتقاله فأنها تحتاج لإجراءات خاصة وتطبيقات صارمة للحد من أنتشار الميكروب في البيئة المحيطة ومنع إصابة العاملين بهذه المراكز.

تطبق في مراكز علاج السل نفس الإجراءات الأساسية لأدارة المخلفات الطبية كعملية جمع النفايات من الأقسام الأيوائية بحيث يتم جمع كل النفايات الناتجة من المريض حتى النفايات الشخصية لأحتمال تلوثها بسوائل ولعاب المريض مثل الأكواب والمناديل الورقية وقناني الماء البلاستيكية وغيرها ويتم التعامل معها على أنها مخلفات معدية. ويتم جمع كل النفايات المعدية في أكياس مزدوجة من البلاستيك المقوى (The Double Red or Yellow Bags) لتقليل من فرصة تمزق وحدوث إنسكابات غير متوقعة منها.

حماية العاملين في نقل وجمع النفايات بمراكز علاج السل

أحد عمال يقوم بكبس والضغط على أكياس النفايات الطبية

أما بخصوص عمال النظافة في جمع النفايات من الأقسام ومن المرضي فيجب عليهم أرتداء الملابس الواقية الشخصية كالكممات والقفازات والمريول في كل الأوقات عند التعامل مع نفايات المريض، ويتم تدريبهم على الطريقة المثلى للتعامل السليم مع النفايات. عندما ينقلون الأكياس إلى ساحة التجميع أو المعالجة يمنع نهائيا ضغط الأكياس على بعضها أو كبسها أو رميها بقوة حتى لا يحدث تناثر للسوائل من الأكياس أو حدوث ضغط للهواء الملوث داخل الأكياس فتنفجر الأكياس أو يتسرب الهواء منها بقوة عبر الفتحات، أوعند تقطيع المخلفات الطبية بقوة بواسطة (Shredders) آلة التقطيع قبل وضعها في الأوتوكليف فيحدث حينها التعرض للجراثيم المتطايرة ويساعد ذلك على أنتشار الميكروبات في الهواء المحيط فيصيب أولاً العاملين تم ينتقل للأفراد في المجتمع المحيط.

نقل النفايات الطبية للمعالجة المبدائية

يتم نقل النفايات مباشرة إلى أماكن أجهزة المعالجة المبدائية إذا كانت متوفرة بالمركز، مثل جهاز الأوتوكليف، ويفضل أن تتم المعالجة المبدائية في داخل المركز بدل من نقلها إلى خارج لمعالجتها للحد من أنتشار العدوى وتقليل دائرة التلوث وخاصة أن هذا الميكروب ينتقل عبر الهواء بسهولة وجرعة العدوى به قليلة جدا التي يمكن ان تحدث المرض.

ساحة التجميع المؤقت للنفايات بالمركز

إذا كان من الضروري تجميع النفايات لمركز علاج السل في ساحة التجميع المؤقت فيجب أن تكون هذه الساحات ذات مواصفات فنية لهذا العمل بأرضية يسهل تنظيفها وتعقيمها ومغلقة يصعب على الزوار والمرضى الوصول لها وكذلك الحيوانات من قطط وكلاب وايضا يفضل أن تكون مغطاة بعيدا عن الأمطار والرياح القوية والتي قد تنقل الميكروبات للبيئة الخارجية عبر الهواء. ويتم جمع أكياس  النفايات في حاويات مغلقة مع وضع العلامات التحذيرية الخاصة بكل نوع من النفايات.

التهوية (Ventilation)

من أكثر الأشياء الضرورية والموصي بها في مراكز علاج السل هي التهوية الجيدة، فوجود تهوية جيدة في أقسام المرضى يحدث تخفيف لعدد الميكروبات السل العالقة في الهواء فيقلل ذلك من إحتمالية استنشاق الكمية المناسبة من الجرعة التي تسبب المرض. بصفة عامة التهوية تكون بطريقتين وهما:

 التهوية الطبيعية (Natural ventilation)

عبر خلق ممرات هواء من النوافد والأبواب في الأقسام العلاجية لتجديد الهواء، وعادة يتم أختيار أماكن النوافد والأبواب بطريقة هندسية تتيح أكبر كم من التهوية وتوزيع الهواء في أقسام الأيواء الخاصة بمرضى السل.

التهوية الميكانيكية (Mechanical ventilation)

وهي طريقة يمكن التحكم بها باستعمال مكيفات الهواء المزودة بفلاتر خاصة لتجديد وتنقية الهواء (HEPA filtration) كما في معظم المراكز الحديثة حيث يستعملونها لتجديد الهواء وفي نفس الوقت لحجز ميكروبات السل العالقة في الهواء (هذا النوع من الفلاتر يستطيع حجز 99.97% من الجزئيات العالقة في الهواء بحجم 0.1- 0.3 ميكرون)، على أن يتم أستبدال هذه الفلاتر على فترات زمنية ويتم التعامل معها بحذر كبير كمخلفات طبية معدية بسبب إحتواها على الميكروبات المرض وتنقل مباشرة بعد أستبدالها للتخلص منها عبر طرق المعالجة النهائية مثل المعالجات الحرارية كالأوتوكليف أو المحارق أو الردم أو عن طريق المعالجة الكيميائية على أن تكون بأشراف مختصين.

النفايات الطبية في بيوت مرضى السل

ما ذكرناه من الأحتياطات بخصوص التعامل مع النفايات الطبية بمراكز السل ينطبق هذا ايضا على المرضى المصابين في البيوت أو اللذين يمضون مرحلة الأنعاش بعد خروجهم من المستشفى في بيوتهم وخاصة المرضى من تم تشخيصهم بإصابتهم بميكروب السل المقاوم للعديد من المضادات الحيوية (MDR TB)، فالعديد من الدول وضعت برتوكلات خاصة للتعامل مع النفايات المرضى في بيوتهم من حيث جمع النفايات الطبية ونقلها من البيوت والتخلص منها بالطرق السليمة حتى لا تختلط بالنفايات البلدية (Process for Collection of Clinical Waste from Patients’ Home). كما تقدم أستشارات ونصائح لهولاء المرضي تهذف للحد من أنتشار الميكروبات في محيط العائلة والمجتمع الخارجي.

زيارة لمركز علاج السل بإحدى المدن الليبية

سنحت لي الفرصة من عدة سنوات مضت لزيارة تفقدية سريعة لإحدى مراكز علاج السل في إحدى المدن الليبية متوسطة الحجم ذات تعداد سكان كبير وكان هذا المركز الوحيد لعلاج مرض السل في المدينة يقدم في خذماته لعدد كبير من المواطنين المقيمين بالمدينة وكذلك المترددين عليه من المدن الليبية المحيطة، كمل لحظنا بأن المركز يقدم خذمات لبعض الأجانب المصابين وعائلاتهم من الدول المجاورة وهي دول فقيرة ونسبة الإصابات لديهم بأنواع مرض السل تعتبر عالية. وهذا يؤكد لنا ماذا تنوع السلالات لهذا الميكروب الخطير في هذا المركز وماذا خطورته على العاملين والمجتمع المحيط.

عموماً،  كانت هذه فرصة جيدة بالنسبة لي للتعرف على وضع مراكز علاج السل الليبية من حيث مدى تطبيقهم لإدارة السليمة للنفايات الطبية وبرامج التحكم في العدوى. فقد أجرينا العديد من الزيارات لعدة مرافق صحية في عدة تخصصات طبية وفي عدة مدن وقد لاحظنا الخلل الكبير وسوء تطبيقهم لإدارة النفايات الطبية الأمر الذي يحتاج من صانعي القرار ومن واضعي الخطط الصحية في الدولة التحرك بسرعة لإرساء منظومة سليمة في المؤسسات الصحية حتى نتفادى حدوق كوارث صحية وأوبئة لا تحمد عقباها.

من أول الملاحظات التي لأحظناها بمجرد دخولنا للمركز بأن مبنى المركز كان مبنى إداري وهو غير معد في الأساس كمرفق صحي من حيث التصميم الهندسي ومن حيث صعوبة تطبيق برامج التحكم في العدوى وخاصة لهذا النوع من الأمراض المعدية.

يقدم المركز خدماته للمرضى الزوار وليس به أقسام أيواء، فالمرضى النزلاء موجودين في المستشفى العام بالمدينة، يقدم خدمات الكشف والعلاج والتشخيص من تصوير وتحاليل طبية وإعطى لقاحات، كما لاحظنا بأن المبنى مزدحم جدا ولا يتناسب حجمه مع أعداد المترددين عليه من حيث التهوية ومنافذ الدخول والخروج.

أما بخصوص إدارة النفايات الطبية فيتم التعامل مع النفايات الطبية بعد جمعها من المركز كالنفايات المنزلية بحيث تجمع في أكياس سوداء وتنقل مع نفايات البلدية في عربات شحن مفتوحة لتجميع القمامة وتنقل لمكب العام خارج المدينة. ولا توجد عملية فرز للنفايات الطبية والغير طبية ولا يتم وضع العلامات التحذيرية المتعارف عليها لأنواع النفايات الطبية المختلفة.

لا توجد أجهزة تعقيم كالأوتوكليف للمعالجة المبدائية أو محرقة متخصصة للتخلص من النفايات الطبية، والطريقة الوحيدة المتبعة في المراكز لمعالجة بعض النفايات الطبية (كما في الصور المرفقة مع هذه الفقرة)، يتم جمع شرائح الزجاجية لعينات البلغم من المرضى المصابين بالسل والتي أجريت عليها عمليات التعرف على الميكروب في معمل التحاليل الطبية (Ziehl–Neelsen stain) وتنقل لساحة المركز المفتوحة ويتم حرقها في أوعية طلاء حديدية قديمة مستعملين أوراق الكرتون كوقود للحرق وأحيانا تضاف إليها علب العينات البلغم البلاستيكية المرمية في الساحة. تنقل تلك الشرايح الزجاجية وتجمع بعد أنتهاء عمليات الحرق في أكياس القمامة السوداء وأحيانا يتم رميها في صندوق سيارة نقل القمامة مباشرة من الأوعية ليتم التخلص منها في مكب المدينة العام.

عمليات الحرق تتم في الساحة مفتوحة بالمركز ويمكن لأي شخص دخولها بما فيهم الزوار وكذلك الحيوانات كالقطط وهي عرضة للتيارات الهواء حيث يفصل الساحة عن الطريق العام المزدحم بالمارة سور قصير. وفي الساحة تجد قرب مكان الحرق عدة أنواع من النفايات الطبية الملوثة بميكروبات السل مرمية على الأرض مثل القفازات البلاستيكية للعاملين وعينات البلغم البلاستيكية المفتوحة وكذلك شرائح الزجاجية الملوثة التي لم تتم عملية حرقها وبقايا مناديل ورقية.

يقوم بعملية الحرق عمال النظافة بالمركز وهم عمال ذوي تعليم بسيط وغير مدربين ولا توجد لديهم معلومات عن خطورة المرض وطرق إنتقاله. والساحة تعتبر مكان عام يخرج إليه العاملين بالمركز في أوقات الراحة من العمل للتدخين وشرب الشاي وأيضا مكان يقف فيه المترددين لأنتظار دورهم وكذلك زوار المرافقين للمرضى.

من خلال هذه الزيارة التفقدية السريعة وجدنا بأن المركز يفتقد نهائيا لأي برنامج لإدارة النفايات الطبية أو أي برنامج للتحكم في العدوى بالرغم من أنه مركز مزدحم ويقدم في خدمات كثيرة لعدد كبير من المرضى المترددين. حال هذا المركز لا يختلف كثيرا عن حال معظم المراكز علاج السل الأخرى، وهذا الأمر يدعو للقلق بسبب خطورة المرض وسهولة أنتقاله.

تطبيق برامج التحكم في العدوى وتطبيق الأدارة السليمة للمخلفات الطبية في مثل هذه المراكز لن تكلفنا الكثير ولن الأهمال والإ مبالاة ستكلفنا أرواح كثيرة وأضرار صحية وبيئية في مجتمعنا.

العالم المنشود… عالم سليم بدون مرض السل

وأخيراً، لا يختلف شخصان حول خطورة وباء السل وحجم الضرر الناتج عنه في معظم دول العالم وخاصة تأثيره في الدول الفقيرة، الأمر الذي جعل من منظمة الصحة العالمية تضع أستراتيجية عالمية في سنة 2014 لمكافحة والقضاء على الوباء وأنهائه من العالم مع عام 2030 (End TB Strategy)، لتقليل من حالات الوفيات إلى 90% وللحد من الإصابات الجديدة بنسبة 80%، ولتتأكد بأنه لن تقف التكلفة المادية عائق أمام العائلات لعلاج ابنائها المصابين بالمرض.

هذا الهذف الكبير نجاحه يعتمد على التنسيق مع دول العالم ويحتاج لجهد كبير، ولوصل إليه حددت منظمة الصحة العالمية العديد من البرامج الرئيسية والخطوط العريضة التي ستساهم على مدى السنوات للوصول إلى العالم المنشود… عالم سليم بدون مرض السل.

Reference:

Johnson K, Braden C, Cairns L et al. (2000). Transmission of Mycobacterium Tuberculosis From Medical Waste. Journal of the American Medical Association. Vol. 284, No. 13, P. 1683.

Angela M. Weber, Yvonne Boudreau, and Vincent D. Mortimer. (2000). A tuberculosis Outbreak Among Medical Waste Workers. Journal of the American Biological Safety Association, 5(2) pp. 70-88

 Manjusha Narayanan. (2016). Prevention and Control of Tuberculosis. The Newcastle upon Tyne Hospitals NHS Foundation Trust. Infection Prevention and Control Committee. UK

Guidelines for the prevention of tuberculosis in health care facilities in resource-limited settings, Geneva, World Health Organization, 1999

Guidelines for Preventing the Transmission of Mycobacterium tuberculosis in Health-Care Settings, Morbidity and Mortality Weekly, 2005

 CDC. (1999). Tuberculosis Infection Control  In The Era Of Expanding Hiv Care And Treatment . Addendum to WHO Guidelines for the Prevention of Tuberculosis in Health Care Facilities in Resource-Limited Settings.

Guidelines on Airborne Infection Control in Healthcare and Other Settings.(2000).  Directorate General of Health Services. Ministry of Health & Family Welfare. Nirman Bhawan, New Delhi

WHO: http://www.who.int/tb/en/

الوسوم

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

‫2 تعليقات

  1. شكرا جزيلاً دكتور على المعلومات الواردة في المقال وللاسف يوجد حاليا 5 حالات من TP المقاوم بمستشفى الصدرية الكويفية – بنغازي بانتظار العلاج يرد من طرابلس.

    1. شكرا جزيلا دكتورة منى على التفاعل . نعم من الملاحظ جدا زيادة في مقاومة ميكروب السل للمضادات الحيوية…الخوف أن نصل ليوم لا يكون فيه مضاد حيوي فعال… وهذا اليوم ليس ببعيد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق