التشريعات البيئيةالمخلفات الطبية الباثولوجيةمنوعات

هل يجوز في الشريعة الأسلامية حرق الأنسجة والأعضاء البشرية للتخلص منها؟

Is it permissible in Islamic law to burn tissue and human organs for disposal?

خلال نقاش مع زميل ذكر لي أن النفايات الطبية الباثولوجية المثمتلة في الأنسجة المنزوعة والأطراف المبثورة التي نزعت من الإنسان لأسباب طبية علاجية يجب إحترامها بدفنها وعدم حرقها في محارق بأي حال من الأحوال، فعند حرقنا لها فذلك تشبه لفعل  بعض الملل والأديان الأخرى وهذا لا يجوز.

مثل هذا النقاش تكرر معي في عدة لقاءات، نقاش حول عملية الحرق وما يجوز ولا يجوز فيما يخص إدارة النفايات الطبية من الناحية الشرعية والفقهية في الأسلام وخاصة فيما يخص الأنسجة والأجزاء المبثورة من جسم الإنسان الذي كرمه ديننا الأسلامي أحسن تكريم. قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (سورة الإسراء 70). والحرق ينافي التكريم؛ ولأن له حرمة كحرمة الحي؛ والسنة النبوية قد أكدت ذلك فقد روى أبو داود عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا».

للإجابة على مثل هذه التسأولات سوف أذكر لكم ما كتبته الباحثة الدكتورة أمل بنت إبراهيم بن عبد الله الدباسي حول هذا السؤال بالذات في بحثها المميز بعنوان “التخلص من النفايات الطبية: دراسة فقهية” وهو في كتاب من سلسلة كتب قضايا فقهية معاصرة من مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية لسنة 1433 هـجري (1).

حيث ذكرت الدكتورة أمل في الفقرة الثانية لمراحل التفصيلية والخطوات العملية للتخلص من النفايات الطبية الفتوى الصادرة من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم (8099) بتاريخ 27/1 من عام 1405 هجري بالمملكة العربية السعودية والتي تنص على عدم جواز حرق أجزاء الكائن الحي، ووجوب دفنها في مكان طاهر.

حيث قالت “أما النفايات الباثلوجية، أو نفايات غرف الجراحة والولادة والتشريح من الأنسجة والأعضاء المستأصلة والأجنة المجهضة وغيرها من الأجزاء البشرية، فيجب التعامل معها بصورة مستقلة حسب الشريعة الإسلامية، ولا يصح حرقها بلا مبرر شرعي، بل الواجب دفنها؛ رعاية لحرمتها؛ ولئلا يكون في حرق الأعضاء البشرية مشابهة لبعض الملل والأديان الباطلة”.

ولكنها أيضا واصلت الحديث حول المبررات الشرعية لعملية المعالجة بالحرق فقالت: “فإن كانت تلك الأجزاء ملوثة بالميكروبات المسببة للمرض ولا يندفع أذاها بدفنها، بل ربما لوثت الميكروبات الكامنة فيها التربة والمياه الجوفية، فالقول بمشروعية معاملتها معاملة غيرها من النفايات الخطرة له حظه من النظر في الشريعة الإسلامية، لاسيما إذا ثبت كون الأذى الحاصل بها لا يندفع عن الإنسان وبيئته إلا بتلك الوسائل التي تعالج بها سائر المخلفات المؤثرة، تحقيقاً للمقاصد الشرعية من ضرورة حفظ النفوس المعصومة، وإزالة الضرر، واعتبار مآلات الأفعال، وعملاً بالقواعد الكلية الكبرى، كقاعدة:

  • “لا ضرر ولا ضرار”.
  •  “المشقة تجلب التيسير”.
  • “الأمور بمقاصدها”.
  • “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”.
  • “الدفع أولى من الرفع”
  • “إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما”.
  • “يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”.
  • “الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف”.
  • “التصرف في الرعية منوط بالمصلحة”.

“وغيرها؛ إذ إن المفاسد المترتبة على النظم البيئية من جراء دفن تلك الأجزاء أولى في دفعها من تحقيق مصلحة تكريم أجزاء الكائن الحي ورعاية حرمة جسده، كما أن الضرر الحاصل بعدم دفن أجزاء الكائن الحي ضرر خاص، توجب المقاصد الشرعية تحمله لدفع الضرر العام الذي قد يحصل بسبب تلويث البيئة، وتفشي الأوبئة” (1).

نعم، أحيانا حرق الأجزاء المنزوعة من الأنسجة والأعضاء المستأصلة والأجنة المجهضة والأطراف المبثورة التي نزعت من الإنسان لأسباب طبية علاجية والتي تعرف على أنها نفايات طبية باثولوجية من نفايات غرف الجراحة والولادة والتشريح يكون أسلم الحلول للتخلص السليم منها وذلك لعدة أسباب:

  • أحيانا قد تكون تلك النفايات محملة بجراثيم مقاومة للدفن وصامدة ضد العوامل البيئة من جفاف وحرارة ويخاف من أنتشارها كبكتيريا الجمرة الخبيثة أو عصيات التتنوس والتي تصمد في البيئة الصعبة والتربة لسنوات طويلة،
  • أو أنها تحتوي ميكروبات يمكن عن طريق الدفن أن تصل للمياه الجوفية فتسبب أوبئة سريعة الأنتشار مثل وباء مرض الكلوليرا أو فيروسات التهاب الكبد الألفي (HAV) أو البكتيريا المعوية وخاصة في الدول المعروفة بكثرة مياهها السطحية وغزارة الأمطار الموسمية الكثيفة التي تهطل عليها وقرب المياه الجوفية فيها من سطح الأرض وأماكن الدفن،
  • أو في حالة مشيمة بشرية لمرأة مصابة تحتوي دماء كثيرة محملة بفيروسات الدم ويخاف من الأهمال عند التخلص منها،
  • أو في حالة الإصابة بمرض شبيه لمرض فيروس الأيبولا المعدي جدا والخوف من إنتقال العدوي خلال إجراءات التكفين والدفن وهو المرض الذي عرف عليه في أخر وباء حدث في دول غرب أفريقيا وأكدته منظمة الصحة العالمية في مراجعها العالمية أن أكثر من 20% من الإصابات التي حدثت حينها كانت بسبب عملية غسل وتكفين جثامين المرضي المصابين،
  • أو في حالات أنسجة بشرية محملة بعصيات السل (Mycobacterium Tuberculosis ) من السلالات المعندة الجديدة المقاومة لعدة أنواع من المضادات الحيوية (MDR-TB) ويخاف أنتقالها بسهولة عبر الهواء للأخرين.

كل الحالات التي ذكرتها وأمثلة أخرى كثيرة شبيه لها يكون الضرر الأشد هو أنتقال الجراثيم الممرضة من تلك الأجزاء المنزوعة من الأنسجة والأعضاء المستأصلة والأجنة المجهضة والأطراف المبثورة واحتمال تسببها للعدوى وأوبئة للأخرين في المجتمعات أمر وارد، فيزال هذا الضرر الكبير بالضرر الأخف وهو عدم دفننا لتلك الأطراف المنزوعة بل الأفضل حرقها، فالدفن هنا ضرر خاص ولكنا بالحرق دفعنا به ضرر عام.

عدة فتاوي دينية صدرت في الدول الأسلامية خلال السنوات الماضية سمحت بعملية الحرق حتى في التخلص من كامل جثة المتوفي بالأمراض المعدية وليس فقط الأنسجة والأطراف المبثورة إذا كان يوجد هناك ضرر مؤكد من التخلص منها عبر الدفن.

فقد  أباحت فتوى دينية صدرت في دبي منذ عدة سنوات، من كبير المفتيين ومن داعية بارز حرق جثة شخص مسلم توفي لإصابته بفيروس داء الكلب، السعار المعدي (Rabies)، خشية من أن يتسبب دفنه بالطرق التقليدية في تسرب الفيروس إلى التربة والماء، ومنهما إلى الإنسان.

وقد وافق تلك الفتوى حينها الداعية أحمد الكبيسي في احد اللقاءات وقال إن “حرق الجثة جائز شرعا، طالما في ذلك ضرورة صحية، وطالما أن دفنه بالطرق التقليدية يشكل خطرا”. فيما قال كبير المفتين في دبي أحمد الحداد إن “الحرق جائز، بشرط أن يكون هو السبيل الوحيد لمنع انتقال المرض للغير” مضيفا: “لو كانت هناك وسائل أخرى لمنع انتقال الفيروس، مثل الدفن في حفرة أعمق، أو صندوق محكم الغلق ومغطى بطبقة أسمنت، فلا يجوز الحرق”.

وأضاف: “إذا رأى الأطباء أن الفيروس يمكن أن يتسرب إلى التربة أو الماء إذا دفن المتوفى بالطرق التقليدية، والحل الوحيد هو الحرق، فيمكن الفتوى بإجازته من باب إزالة الضرر ودفع المفاسد التي يمكن أن تصيب البشر”. (2)

وفي فتوى دينية أخرى أثارت الجدل كثيراً من دار الأفتاء المصرية بتاريخ 14 مايو 2015 (رقم متسلسل 3246) للأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم علام حول السؤال عن التعامل مع الأشخاص الذين يتوفون بمرض الإيبولا، وهل يجب تغسيلهم في هذه الحالة رغم تصريحات منظمة الصحة العالمية بعدم تغسيل أجساد المرضى المتوفين بهذا المرض؛ لسهولة انتشار العدوى؟

فكان جوابه: “إذا كان تغسيل جثث الأشخاص المتوفَّين بمرض الإيبولا متعذرًا؛ لكونه مظنة حصول العدوى، فلا يجب الغسل في هذه الحالة، ويلي الغسل في اللزوم عند تعذره التيمم، فإن تعذر هو الآخر ولم يمكن ارتكابه للضرر تُرِك وسقطت المطالبة به شرعًا، ولكن يبقى للميت بعد ذلك ما أمكن من التكفين والصلاة والدفن. وأضاف أنه يجوز أن تُحرَق جثة مريض الإيبولا بعد موته إن كان الحرق هو الوسيلة المتعينة للحَدِّ من انتشار الوباء في الأحياء، على أن يتم دفنها بعد ذلك”. (3)

هذه الفتوي أكدها أيضا الدكتور عبدالله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامي، حين قال: “إن حرق جثة المتوفى بمرض الإيبولا لا مفر منه، لتحمل الضرر الأخف في سبيل المصلحة العامة، ومنعًا لانتشار المرض وهلاك الناس”، مشيرا إلى أنه من حقوق المتوفى في الإسلام أن يغسَّل ويكفَّن ويصلَّى عليه ويُدفن، ولكن في حال بعض الأمراض، إذا انعدمت الوسائل اللازمة لانتقال العدوى من جثة المتوفى يتم الحرق وقبول الضرر الأخف. (4)

وفي الختام، التخلص السليم من النفايات الطبية من قبل المؤسسات الصحية والمحافظة على البيئة والنهي عن إفسادها أمر شرعي حث عليه ديننا الحنيف، وقد أوردت الدكتورة أمل الدباسي في كتابها (1) العديد من الأدلة من المصحف الشريف ومن السنة النبوية الشريفة وأحاديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على تحريم إفساد البيئة بما في ذلك إفسادها بالنفايات الطبية الخطرة، حيث قالت “أن الضرر المترتب على جريمة تلويث البيئة بالنفايات المؤذية (وتقصد النفايات الطبية) يعتبر من أعظم الأضرار؛ إذ هو عام شامل، ولا يرتبط بحدود مكانية أو زمانية، فهو يلحق بسائر الكائنات الحية بما فيها الإنسان، ولا يقتصر أثره المدمر على الموجود، بل يمتد إلى الأجيال القادمة منها”.

المراجع:

  1. الدباسي، أمل بنت إبراهيم بن عبد الله. التخلص من النفايات الطبية: دراسة فقهية. مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. الرياض، المملكة العربية السعودية، 1433 هجري.
  • مجلة العربية نت (2009). فتوى دينية في دبي تبيح حرق جثة مسلم مصابة بـ”السعار” لم يدفن خشية تسرب الفيروس للتربة والماء. الخميس 19 فبراير 2009. https://www.alarabiya.net/articles/2009/02/19/66827.html
  • دار الأفتاء المصرية (2015). الفتوي رقم 3246 بتاريخ 15 مايو 2015: تغسيل المتوفي بمرض الإيبولا. (dar-alifta.org)

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق