أحداث

تجارة نفايات المواد السامة والطبية فيِ أفريقيا

بسبب الضائقة الاقتصادية العديد من الدول الافريقية أغريت بالمكاسب المالية العالية من أستيراد تلك النفايات السامة من الدول الغربية والتي لاتحتاج لمجهودات كبيرة لتخلص منها فقط توفير المكان وهذا الشيء متوفر لذيهم. رمي تلك النفايات السامة يهدد الحياة في أفريقيا من أناس والحياة البرية مسببه في تدمير البيئة، والعديد لا يدركون خطورة تلك النفايات وفي نفس الوقت لا توجد لديهم الإمكانيات والتجهيزات لنقل والتعامل والتخلص منها بالطرق السليمة والآمنة للبيئة والافراد.هذه المشكلة أصبحت مشكلة بيئية عالمية السبب الذي جعل دول العالم تسعى لإبرام معاهدات وأتفاقيات دولية إقليمية للتنظيم ومراقبة أنتقال تلك النفايات السامة والأتجار بها عبر الدول.  فكان توقيع معاهدة بازل في سويسرى سنة 1987 كأول محاولة عالمية للتنظيم نقل وحركة النفايات السامة بين دول العالم تطرقت فيه لعدة نقاط  مهمة إظافية كإدارة المثلى للنفايات الطبية الخطرة من حيث جمعها ونقلها والتخلص منها. عقبها عدة محاولات عالمية أخرى من قبل برنامج الامم المتحدة للبيئة  بخصوص النفايات السامة والبيئية، وكذلك التحرك الذي حدث علي مستوى الإقليمي في أفريقيا عندما صوتت منظمة الوحدة الافريقية بمنع قبول النفايات من قبل كل الدول الاعضاء في معاهدة باماكو الدولية.

لكن وبالرغم من كل تلك المحاولات العالمية لأحتوى هذه المشكلة لازالت تجارة النفايات السامة مستمرة ويرجع ذلك بسبب الارباح الطائلة التي تجنى للطرفين من وراء التجارة بها. دول أفريقية اصبحت مكب لنفايات المواد الخطرة السامة مثل رماد المحارق المشبعة بالمعادن الثقيلة وبقايا الزيوت الملوثة بمواد كيماوية وأحماض وسوائل المذيبات السامة ووحل من بقايا مصانع وبعض مياه المجاري ذات الخطور الخاصة وبقايا المواد الكيماوية المشعة ومخلفات الطبية مثل المخلفات الصيدلانية ومخصبات النباتات والمبيدات وغيرها من المخلفات المنتجة بالدول الصناعية.

بسبب الاجراءات الصارمة والتكلفة العالية لتخلص من بقايا المخلفات الصناعة في الغرب كان هذا السبب الرئيسي في تطور ووجود صناعة مربحة وهي صناعة الاتجار بتلك النفايات والبحث عن طرق بديلة لتخلص منها فكانت أسهل الطرق شحنها بشكل سري بعيدا الى دول أفريقية فقيرة توجود بها مساحات شاسعة من الارض المستعملة والغير مستعملة، هذه الدول وحكوماتها محتاجة ماديا بسبب ركود وضعف الاقتصاد وحاجتها الماسة للعملة الصعبة لتخفيف المصاعب الاقتصادية والرفع من مستويات الفاقة المتدنية وكذلك طمع بعض الشركات المحلية الافريقية  في الحصول على أرباح بالعملة الصعبة في وقت قصير نسبيا بدون خسارة وبأسهل الطرق، هذه كلها كانت عوامل ودوافع وجود هذه الصناعة. ايضا وجود بعض القلاقل والنزعات والحروب الأهلية في بعض الدول الأفريقية ساعد بعض الأشخاص النافذين في تلك الدول وفي عدم وجود رقيب  لعقد صفقات مشبوهة مع شركات إنتهازية للتخلص من النفايات الخطرة في سبيل الحصول على مكاسب مالية تمكنه من التفوق على الطرف المنازع الأخر.

الحكومات والشركات الأفريقية الموردة تناست الاضرار البيئية الكبيرة على المدى البعيد لتلك المكبات المتواجدة بدولهم للمواد الغير المعالجة الناتجة من مختلف الصناعات بالغرب فتراها توقع في عقود لاستيراد تلك النفايات بمبالغ زهيدة إذا ما قورنت بما ستدفعه تلك الشركات المصنعة في الغرب أذا ما ارادت  التخلص أو اعادة تصنيع تلك النفايات في دولهم.

رمي النفايات السامة في افريقيا يرجع لبداية السبعينيات عند اكتشفت عدة صفقات تجارية سرية بين بعض الدول الافريقية وشركات في الولايات الامريكية، بريطانيا، سويسرا، ايطاليا، فرنسا والاتحاد السوفيتي سابقاً. النمو العالي للصناعات في الدول الغربية كان مرافق لزيادة في انتاج بقايا تصنيع لا يمكن الأستفادة منها أو إعادة تدويرها وتعتبرالمخلفات معضمها مواد سامة وخطرة على البيئة قد تسبب اضرار على المدى الطويل لكل الكائنات الحية ومسببة ثلوث الهواء والماء اذا لم يتم التخلص منها باجراءات آمنة والتي تضمن أقل تأثيرات لتلك المواد على الصحة العامة، وعند وصولها إلى الهواء والماء فهذا يعني توسع دائرة التلوث وأنتقالها إلى مسافات شاسعة ويمكن حينها أن تعبر الحدود فتصبح مشكلة إقليمية وربما عالمية وليست مقصورة على النطاق المحلي.

كميات النفايات في تزايد وهذا الأمر واضح للكل. في تقرير سابق لمتخصصين في هذا المجال قدر بأن هناك زيادة في كمية النفايات المنتجة يوميا في العالم من 3.5 مليون طن في اليوم في سنة 2010 إلى حوالي 6 مليون طن يومياً مع قدوم سنة 2025. ايضا تكلفة المالية للتعامل مع هذه الكميات سيتضاعف من 205 مليار دولار في السنة 2010 إلى 375 مليار مع سنة 2025.  أما توقعات التقرير الحديث والذي ظهر في مجلة “الطبيعة” (Nature) قال أن الكميات المنتجة من النفايات في العالم ستتضاعف حتى تصل إلى 11 مليون طن في اليوم الواحد مع سنة 2100.

لأن نواتج المخلفات الصناعية تحتوي العديد من المواد الكيماوية والتي لايمكن تكريرهأ والاستفادة منها أو التخلص منها بسهولة، فكانت تحدي كبير للبلدان الصناعية بعد أمتلاء معظم المكبات الارضية لديهم وزدياد كلفة التخلص من تلك النفايات يوماً بعد يوم. كلفت التخلص من النفايات في الدول الغربية يصل الى 3000 دولار أمريكي حيث أن بيعه غير معالج لدول الافريقية يكلف تقريبا 5 دولار أمريكي وهذه الأرقام المسجلة في أواخر القرن العشرين والحال الأن مختلف بسبب تضاعف أعداد المصانع وتضاعف الكميات المصنعة وتضاعف المخلفات الخطرة الناتجة.

هذه التجارة لا زالت مستمرة إلى حد الأن ولا زالت بعض الشركات الضخمة تجري صفقات سرية للتخلص من مخلفاتها ولا زالت النفوس الغير سوية موجودة على الجانب الأخر والتي لا يهمها إلا الكسب المالي في جيوبها. فهذه التجارة تعتبر في نظري الشخصي جرائم دولية ترتكب ضذ البشرية وهي شبيهة لجرائم الحرب والمجازر التي ارتكبت في بعض دول العالم والتي استنكرها الجميع،  بل هي أشنع من ذلك بسبب الدمار التي تتركه في البيئة لعدة عقود من إضطرابات وخلل وتدمير للنظم البيئة وللأفراد والمجتمعات ككل. فالدعوة ملحة للجميع لوقف ومحاربة هذه الصفقات المشبوهة، ودعوتنا لكل الحكومات والهيئات القضائية لتطبيق أشد العقوبات لمرتكبي هذه الجرائم ضد البشرية.

فمن الضروري النظر في هذه المشكلة من منظور عالمي بيئي قبل حدوث كوارث بيئية لا نعرف مدها لجيلنا الحالي أو للأجيال القادمة.

وأخيرا، هل يعقل أن تكون دولة إنسان ما  هي مكب أوساخ وقمامة لدولة إنسان أخر؟!!       وهذا الأمر لا يقبله أحد.

Ref.

Daniel Hoornweg, Perinaz Bhada-Tata,  Chris Kennedy. (2013). Environment: Waste production must peak this century. Nature, 30 October 2013ز

الطاهر الثابت

أستاذ دكتور بقسم علوم المختبرات الطبية، كلية التقنية الطبية جامعة طرابلس، طرابلس- ليبيا. متحصل على الأجازة الدقيقة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية من جامعة جلاسكو بأسكتلندا- بريطانيا. باحث وناشط بيئي وخبير وطني في مجال إدارة المخلفات الطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق